أحمد داؤد يكتب: كيف يتحقق السلام في ظل وجود هذا الكم الهائل من العقبات؟

255

قبل التوقيع النهائي علي اتفاق جوبا للسلام بين الحكومة وحركات الكفاح المسلح ، دعا الحزب الشيوعي جماهيره الي مناهضة الاتفاق ، والخروج في مليونيات لايقاف شرعنة إتفاق جوبا الذي قال إنه :” سيفتح الباب واسعاً أمام حروب أخري ” ، ليس في الهامش فقط ، وانما السودان ككل .
*خلال أيام التوقيع ، تعمد الاعلام السوداني تجاهل كلما يتعلق بسير عملية التفاوض ، تزامن ذلك مع بث دعاية سلبية تتحدث عن “دولة التعايشي ” التي يعتزم الجنرال حميدتي تأسيسها بالتحالف مع حركات دارفور التي قيل إنها تخص مجموعات اثنية بعينها فقط .
*في صباح ذلك اليوم الذي يفترض أن تستقبل فيه جماهير الهامش قادة المقاومة القادميين لتوهم من العاصمة جوبا ، أصدرت وزارة الصحة الاتحادية بيان تمنع فيه التجمعات ، وتحذر المواطنين من الذهاب الى الساحة الخضراء بحجة فيروس كورونا ، مع أن ذات الوزارة كانت قد أصدرت بيان آخر في نفس اليوم تحث فيه أكثر من ٢٥٠٠ طبيب للذهاب الى دار الأطباء “مبني صغير “بغرض إجراء المعاينات !!! .لكن حين فشلت محاولات وزارة الصحة ، صار الكتاب الايدلوجين يبدون تحسرهم علي الأموال التي ضخت في حفل الاستقبال ، والتي قالوا إنه كان من الأفضل توظيفها في دعم وتوفير احتياجات ضحايا النزاعات والحروب !!! .
*الان ، وقبل عدة أيام من تشكيل الحكومة ، التي ستضم بشكل رسمي قادة الكفاح المسلح ، برزت بشكل مفاجئ ، قضية الفنادق التي تدفع من مال دافع الضرائب السوداني ، بالتزامن مع ذلك برزت حملة ممنهجة لشيطنة وتخوين قادة الكفاح المسلح ، بل وصل الأمر الي حد المطالبة بطرد قوات الحركات خارج الخرطوم . ففي مقاله اليومي دعا الكاتب الصحفي زهير السراج القوات المسلحة بطرد ما أسماهم ب” المليشيات العسكرية للحركات المسلحة” من العاصمة الخرطوم . بينما كتبت صحيفة الميدان الناطقة باسم الحزب الشيوعي في افتتاحيتها :” أن سلام جوبا يشكل خطراً على وحدة الوطن وسلامة أراضيه وتماسك شعوبه وأمنه الاجتماعي ” . وخلصت إلى أن “إبقاء مليشيات المجموعات المسلحةالي ما بعد الفترة الانتقالية هو خطر ماحق علي السلام والديمقراطية ” .
*لاحظ ، كل هذا يحدث قبل أن يبدأ تنفيذ اتفاق السلام ، أو حتي قبل ان تصير قوي الكفاح المسلح جزءًا من السلطة بشكل رسمي . فما الذي يمكن أن يحدث في حال أن تم الشروع في تنفيذ بنود الاتفاق ؟ ، هل يمكن التوقع بنجاح اتفاق السلام في ظل وجود مثل هذه العقبات ؟ ومن الذي سيتحمل نتيجة هذا الفشل ؟ قوي الكفاح المسلح ام التيارات التي تضع العقبات أمام السلام ؟. وهل سبب الفشل في حال أن حدث _يكمن في ببنود الاتفاق الذي قيل بانه يكرس للمحاصصات الإثنية ، ام يكمن في غياب الإرادة عند قوي المركز ؟ . وإذا كان ذلك هو موقف القوي السياسية التي تدعي مناصرة قضايا السودانيين من اتفاق السلام ، فكيف سيكون موقف الحكومة المركزية ، التي لطالما اشتهرت بنقض الوعود ؟ هل حقاً ستعمل على إنجاح العملية السلمية ، وهل ستتكفل بالقيام بما عليها من التزامات تجاه شركائها في قوي الكفاح المسلح ، وضحايا الحرب في مخيمات اللجوء والنزوح ؟ قطعاً لا ، لن يحدث ذلك ، وسوف لن يحدث ، ولكن علي عاتق من يقع الفشل ؟ بالتأكيد على قوي الكفاح المسلح ، واتفاق السلام المعيب ، هذه هي الحقيقة التي تسعي قوي المركز لتاكيدها في الوقت الراهن .
*وما يقوم به الحزب الشيوعي ، وبعض الإسلاميين الان ، لا ينفصل باي حال من الأحوال عما كان يقوم به منبر السلام العادل خلال فترة السلام الشامل ، الأمر الذي يعزز حقيقة وجود اتفاق مسبق بين قوي المركز رغم اختلافاتها الايدلوجية والفكرية علي ضرورة تحجيم قوي الهامش ، وشغلها بالحروب حتى لا تفكر في قضايا السلطة والثروة . ففي حين تقوم القوي السياسية المعارضة بتشكيل رأي عام سالب حول أي إتفاق سلام يتم توقيعه ، تتنصل الحكومة عن التزاماتها التي تعهدت بها ، وتتعمد دفع قوي الهامش الي التمرد مرة أخري ، وهكذا تستمر الحروب ، طالما أنها لا تدور في المركز .
ولو قدر للرفيقان عبدالعزيز الحلو وعبد الواحد نور الذين يتم تصويرهم كابطال الآن ، لو قدر لهما الالتحاق بركب السلام ، لربما لقيا نفس الهجوم من قوي وتيارات أخري ، سيتم شيطنتهما وتخوينهم ، وسيتم أيضاً تجييش العامة ضدهما ، و سوف تبرز اصوات تحذر الرأي العام من الخطر الذي يواجه العروبة والإسلام ، سيتم صناعة الطيب مصطفى آخر ليقول ما لا يستطع الحزب الشيوعي قوله ، وربما سيدفعان أيضاً الي تبني خيار الانفصال .مثل هذه العقلية في حقيقة الأمر لا تساعد في عملية البناء ، وحتماً ستقود البلاد الي مربع الحرب مرة أخرى ، غير أن الحرب هذه المرة ربما لن تندلع هنالك في الأطراف ، وانما هنا ، في مركز السلطة بالخرطوم .

تعليقات
Loading...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد