ما بين الماده (١٠٢- أ ) من اتفاقيه تقرير المصير..ومحاولات تقويض الاتفاق الإطارى.
ما أشبه الليلة بالبارحة

123

.
بقلم:علاء الدين فهمى.

كانت رحله الاستقلال من الحكم الثنائى البريطانى المصرى..رحله طويله مرت بمراحل مختلفه.
فقد مرت بمرحله المقاومه العنيفة واستخدام السلاح عام ١٩٢٤ فى تحرك المناضل عبد الفضيل الماظ العسكرى ضد القوات البريطانيه والاشتباك المسلح الذى استمر قرابه ال ٢٤ ساعه..ومقاومة البطل عبد الفضيل الماظ من داخل المستشفى العسكرى(مستشفى العيون الان) حتى دكت القوات البريطانيه المستشفى مستخدمه للمدافع الثقيله.
بدأت بعد ذلك مرحله التطور الدستورى..وكان المجلس الاستشاري لشمال السودان عام ١٩٤٣ الذى أفردت له صلاحيات محدوده..تتلخص فى إبداء المشوره للحاكم العام متى ما طلب ذلك.
مرورا بالجمعيه التشريعيه..التى قال عنها الزعيم الأزهرى لن نقبلها حتى لو جاءت مبرائه من كل عيب..وقال عنها آخرون أنها كالمدين اذا دفع جزء من مبلغ الدين فعلى الدائن أن يستلم هذا المبلغ ويطالب بباقى الدين.
ولعل تكوين مؤتمر الخريجين فى العام ١٩٣٨ كان له الأثر الأكبر للدفع بالنضال الوطنى نحو ساحات أرحب..ولقد استمر بعد ذلك التصعيد الوطنى بكافة اشكال الوسائل المدنيه السلميه حتى الوصول إلى إعلان استقلال السودان من داخل البرلمان فى ١٩ ديسمبر ١٩٥٥..الذى تم بعده إنزال علمى الحكم الثنائى البريطانى المصرى ورفع علم السودان الحر المستقل فى 1 يناير ١٩٥٦.
كانت السمه الغالبة للعشريه الاخيره للحكم الثنائى..هى التطور الدستورى.
ولعل السودان هو البلد الوحيد الذى نال استقلاله عن طريق التطور الدستورى..وبدون دماء كما قال المحجوب.
بعد صراع طويل خلصت المفاوضات بين مصر وبريطانيا لتعديل دستور الحكم الذاتى للسودان..بدأت المفاوضات فى ٢٠نوفمبر ١٩٥٢ واستمرت حتى ١١ فبراير ١٩٥٣.
ترأس اللواء محمد نجيب الجانب المصرى فيما ترأس الجانب البريطانى سفير بريطانيا فى القاهره السيد/رالف ستيفنسون بالاضافه للسير/جيمس روبتسون نائب الحاكم العام لحكومه السودان.
كانت المواقف متباينة خلال سير المفاوضات..حيث عملت الاستراتيجيه المصريه على إنهاء الوجود البريطانى فى السودان وذلك بسودنة كل الوظائف العسكريه والمدنية..بينما عملت الاستراتيجيه البريطانيه على النقيض تماما للاستراتيجيه المصريه وهى بقاء بريطانيا حتى استكمال إجراءات تقرير المصير واعطاء الحاكم العام الصلاحيات المطلقه خلال تلك الفتره وقد خلصت الاتفاقية للأتى:-
١- نصت الاتفاقية على تقرير مصير السودان على أن يسبق ذلك فتره انتقالية لا تتعدى ٣ سنوات يمارس فيها السودانيين الحكم الذاتى وتعتبر هذه الفتره الأنتقاليه تصفيه للأداره الثنائيه وتبدأ فتره الانتقال بعد تكوين مؤسسات الحكم الذاتى التى تتكون من مجلس الوزراء ومجلس النواب ومجلس الشيوخ
٢-نصت الاتفاقية أن
تكون السياده للسودانيين وجعلت الاتفاقية الحاكم العام خاضعا لسلطات اللجنه التى تتكون من ٥ أعضاء..٢ سودانيين..١ مصرى
١ بريطانى ويرأسها باكستانى.
٣-لجنه من ٧ أعضاء للأشراف على الانتخابات تضم ٣ سودانيين ومصرى وأمريكى وبريطانى ويرأسها هندى.
٤-لجنه للسودنه مهمتها إتمام سودنه الاداره والشرطه وقوه دفاع السودان والوظائف الحكوميه الأخرى التى قد تؤثر على حرية السودانيين عند تقرير المصير..وترفع اللجنه توصياتها إلى مجلس الوزراء السودانى.
٥-اوكلت الماده ١٢ من الاتفاق..للجمعيه التأسيسيه المنتخبه أن تقرر فى مصير السودان كوحده واحده لا تتجزاء وأن تضع دستورا للسودان يتوائم مع القرار الذى يتخذ فى هذا الصدد..كما نصت الماده ١٢ على أن مصير السودان يقرر..اما بأن تختار ارتباط السودان بمصر على اى صوره تراها..وأما أن تختار الاستقلال التام.
وقد التزمت الحكومتان البريطانيه والمصريه بأحترام قرار الجمعيه التأسيسيه عند إتخاذه فيما يتعلق بمستقبل السودان وأتخاذ جميع الاجراءات اللازمه لتنفيذه.
لاشك فى أن اتفاقيه تقرير المصير والمعروفة بأتفاقيه ١٢ فبراير..قد فتحت الباب على مصراعيه لأستقلال السودان فى ما بعد..ونستطيع القول أن اتفاقيه 12 فبراير كانت هى الممر إلى استقلال السودان.
شملت إتفاقيه ١٢ فبراير بندا خطيرا كان من الممكن اذا تم تفعيله..أن يقوض ألاتفاقيه برمتها..وهى الماده ( ١٠٢- أ ) والتى تخول للحاكم العام إعلان حالة الطوارئ الدستوريه فى حالة الانهيار الدستورى أو المالى أو فى حالة الفوضى الامنيه وعدم الاستقرار السياسى وتشمل الإجراءات:-
١- تعليق البرلمان.
٢- حل مجلس الوزراء.
٣- استمرار الحاكم العام تحت الأحكام العرفية.
بعد توقيع أتفاقية ١٢ فبراير..بدأ صراع محموم بين حكومة السودان متمثلة فى الحاكم العام السير/روبرت هاو مدعومه من بريطانيا ورئيس وزرائها لتحقيق الاستقلال التام وخروج الشريك المصرى من السودان..وفى الطرف الآخر..الدوله المصريه والتى سخرت كل إمكانياتها لأنجاح عمليه الوحده بين مصر والسودان..ولعله وبعد هذه الاتفاقية الملزمه للطرفين..كان التنصل منها أمرا غير وارد.
ولذلك سعت كلا الدولتين مصر وبريطانيا لتفعيل الماده ( ١٠٢- أ )
الخاصه بأعلان حالة الطوارئ الدستوريه كلما كانت مجريات الأحداث على الأرض ليست فى صالح أحداهما..حتى يتم تقويض أتفاقية ١٢ فبراير وبدأ عمليه تقرير مصير السودان من الصفر مره أخرى.
كانت أبرز هذه المحاولات والمؤامرات على الاتفاقية ما يلى:-
١- نصت إتفاقيه ١٢ فبراير ١٩٥٣ على تصفية أداره حكومة السودان بأفرعها المختلفه ألاداريه والمالية والاقتصاديه وجهاز الخدمه السياسى..وكانت حكومة السودان ترفض إتفاقية ١٢ فبراير للأنها تخرجها من المشهد السياسى السودانى بصوره كبيره..ولذلك قام السكرتير الإدارى جيمس روبتسون بتقسيم جهاز الخدمه ألاداريه إلى قسمين..الاول للشؤون الداخليه والقسم الثانى للشؤون الخارجيه والسياسيه والدستورية..وأسند مهام القسم الثانى إلى السير/وليم لوس المستشار السياسى والدستورى للحاكم العام..وكانت المهمه الاساسيه للسير/وليم لوس هى عرقلة عملية الوحده بين مصر والسودان وإخراج مصر من السودان عبر دعم الرؤيه الاستقلالية وقد قام لوس بنشاط كبير فى هذا الشأن..ولكن كل هذا النشاط كان يزكى روح الصراع مع الدولة المصريه والتى ردت على هذا النشاط المعادى بمجموعه من الإجراءات المضاده.
٢-فى تحرك مضاد قامت به الدولة المصريه فى ما يخص سلطات الحاكم العام فى جنوب السودان ومحاوله استمالة الحكومه المصريه للجنوبيين نحوها..شهد العالم رقصة الحرب التى أداها الصاغ/صلاح سالم عضو مجلس قيادة الثوره المصريه مع قبيلة الدينكا وهو شبه عاري إبان زيارته لجنوب السودان.
كانت هذه الزياره تمهيد واستباق لعمليه تقرير المصير واستمالة الجنوبيين نحو الوحده مع الدوله المصريه..ومحاوله لتقليص قبضه الحاكم العام لحكومة السودان على ملف جنوب السودان..لعل رقصه الحرب هذه وما تلاها من تحركات الصاغ/ صلاح سالم فى ملف الجنوب مع نواب وقيادات جنوبيين..كانت ضربة البدايه لأضطرابات امنيه كبيره فى جنوب السودان مخلفه ورائها أختلال أمنى عميق فى ما تلاها من أحداث.
ولعل العنوان الأبرز لهذه التحركات كان يصب فى الضغط على الزعيم الأزهرى للتخلى عن قرار الاستقلال التام والرجوع إلى مسار الاتحاد مع الدولة المصريه..فأذا لم يكن ذلك فأحداث فوضى سياسيه وأمنيه عارمة فى جنوب السودان..تدفع الحاكم العام بتفعيل الماده
( ١٠٢- أ ) الخاصه بأعلان حالة الطوارئ الدستوريه والتى سوف تقوض بالكامل اتفاقية ١٢ فبراير وتسقط حكومة الأزهرى.
فى ظل مجهودات الصاغ صلاح سالم فى استماله الجنوبيين نحو الوحده مع مصر وإبان زيارته للجنوب..كان قد وعد الجنوبيين بأنه وعند مغادرة البريطانيين فأن الاربعين وظيفه من مديرى المديريات ومفتشى المركز ومساعدى مفتشى المركز فى المديريات الجنوبيه الثلاثه ستعطى للجنوبيين وكانت هذه الوعود الفضفاضة اكبر من امكانيه تحقيقها على الارض بصوره فوريه..وبذلك يكون قد لغم الأجواء السياسيه فى الجنوب ضد الحكومه الوطنيه القادمه..وفعلا..لم تستطيع حكومه الفتره الانتقاليه الايفاء بهذه الوعود..مما خلف غبن كبير لدى أبناء الجنوب..هذا الغبن الذى القى بدوره بظلال كثيفه على ما تلى ذلك من أحداث.
بعد تغير رؤيه الحزب الوطنى الاتحادى من الاتحاد مع مصر إلى الاستقلال التام..تحرك الصاغ/صلاح سالم مع نواب جنوبيين بأعلان رغبتهم فى الاتحاد بين مصر وجنوب السودان..وليس بين السودان وجنوب السودان..فنشط رجال صلاح سالم فى توزيع الملصقات الداعيه لذلك بواسطه مهندس الرى المصرى المقيم فى الجنوب والموظفين والسياسيين فى جوبا..كان ذلك فى فحوى تقرير قائد قوات دفاع السودان المرفوع للسيد/رئيس الوزراء اسماعيل الأزهرى عن دور الصاغ/صلاح سالم فى أحداث توريت التى كانت بداية شرارة التمرد فى جنوب السودان.
٣- أحداث مارس ١٩٥٤ إبان زيارة اللواء محمد نجيب للسودان للمشاركه فى افتتاح البرلمان..كان الأنصار قد عبئوا جماهيرهم ضد زيارة محمد نجيب إلى السودان الغرض من ذلك هو إيصال رسالة إلى الحكومة المصريه بأن السودانيون يرغبون فى الاستقلال التام..وكان ضحية هذه الأحداث ٣٤ شخصا.
لا شك أن قوة الأثر الذى أحدثته أحداث مارس ١٩٥٤ كان من الممكن أن يؤدى إلى تفعيل الماده( ١٠٢- أ ) الخاصه بأعلان حالة الطوارئ الدستوريه التى ذكرناها سابقا..والتى تقوض اتفاقية ١٢ فبراير..وتسقط حكومة الأزهرى..التى صدم فوزها الانصار بجل مقاعد البرلمان وتشكيلها لحكومة منفرده.
وهى محاوله لتكرار سيناريو ٣٠ اكتوبر ١٩٤٦ عندما تظاهر الأنصار ضد معاهده صدقى- بيڤن التى نصت على تاج مشترك لمصر والسودان.
هذه المعاهده التى تم إسقاطها بالتنسيق مع الحاكم العام هدلستون.
رغم قوة هذه الأحداث قام الحاكم العام بأعلان حالة الطوارئ العاديه لمدة ١٠ ايام..وليس حالة الطوارئ الدستوريه..من ما فهم منه رغبة الحاكم العام وبريطانيا لأستمرار حكومة الأزهرى وعدم الرغبه فى أسقاطها فى هذا التوقيت على الأقل.
هذه بعض الأحداث التى كانت نتيجه لأعلان اتفاقية ١٢ فبراير(إتفاقية تقرير المصير) والتى سعى الفاعلين السياسيين حينها لتقويضها عبر تفعيل الماده ( ١٠٢- أ ) الخاصه بأعلان حالة الطوارئ الدستورية..ولكن بحمد الله قد خاب مسعاهم ونجحت إتفاقية ١٢ فبراير فى نهايتها فى أعلان الاستقلال التام للسودان
و إنزال علمى الحكم الثنائى البريطانى المصرى وإلى الأبد.
ما أشبه الليلة بالبارحة.
اقتلع الشعب السودانى رأس نظام الإنقاذ فى ١١ ابريل ٢٠١٩ من خلال ثوره عظيمه اندلعت شرارتها فى الدمازين وعطبره وإنتقلت للخرطوم فى ١٩ ديسمبر ٢٠١٩.
جرت دماء كثيره تحت الجسر حتى تم التوصل للوثيقه الدستورية التى حكمت الفتره الانتقاليه..هذه الوثيقه التى انقلب عليها العسكر فى ٢٥ اكتوبر ٢٠٢١..هذا الانقلاب الذى أعاد عقارب الساعه إلى ما قبل ١١ ابريل..وقطع الطريق أمام الإصلاحات العميقه التى بدأت فيها حكومة الفتره الانتقاليه برئاسه د.عبدالله حمدوك للإصلاح السياسى والاقتصادى..برغم كمية التأمر والعمل المضاد الذى قامت به فلول النظام بالتنسيق مع قادة الانقلاب لأسقاط حكومة د.عبدالله حمدوك.
عقب الانقلاب مباشرة انتفض الشعب السودانى بكل قطاعاته ضد الانقلاب وشهدت الشوارع بسالة وإقدام منقطع النظير من شباب الثوره وجموع الشعب السودانى..حتى بلغ عدد الشهداء أكثر من ١٢٤ شهيدا والجرحى والمصابين أكثر من ٦٠٠٠..نسأل الله أن تكون جنات الفردوس نزولا لشهدائنا وعاجل الشفاء للجرحى والمصابين والعود الحميد للمفقودين.
جرت مزيد من الدماء تحت الجسر بعد الانقلاب..مما أربك قادة الانقلاب وأدى لفشلهم فى تكوين حكومة تدير البلاد لما يربو على ١٥ شهر هذا الفراغ الإدارى قد وضع البلاد على شفا هاوية الانهيار السياسى والاقتصادى.
بعد وصول الشارع لذروة الثوره ضد الانقلاب وأزدياد المسانده الدوليه الداعيه لأنهاء الانقلاب والتحول المدنى الديمقراطى وضعت الحريه والتغيير ثلاثه مرتكزات لأنهاء الانقلاب وإستعادة المسار المدنى الديمقراطى للدوله السودانية وهى:-
اولا..تصعيد الشارع ضد الانقلاب بكل وسائله المدنيه السلميه المعروفه والمجربه..من تظاهرات وإعتصامات وإضرابات وعصيان مدنى.
ثانيا..المساندة الدوليه لقضية التحول المدنى الديمقراطى.
ثالثا..الحل السياسى المفضى لأنهاء الانقلاب والتحول المدنى الديمقراطى وخروج العسكرتاريا من المشهد السياسى وعودتهم للثكنات.
كان المجتمع الدولى(ولازال)مهتما بمسار العمليه السياسيه فى السودان..حيث تم تخصيص بعثه من الامم المتحده لدعم عمليه الانتقال والتواصل بين الفرقاء السياسيين عبر UNITAMS وعبر الثلاثيه المكونه من بعثة الامم المتحده والاتحاد الأفريقى والايقاد..وكذلك دول الترويكا..النرويج والمملكه المتحده والولايات المتحده
ثم الرباعيه المكونه من الولايات المتحده والسعوديه وبريطانيا والإمارات.
كل هذه المجموعات التى تمثل المجتمع الدولى والإقليمي قدمت كثير من التصورات لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء السودانيين..قوبل كثير منها بالرفض من طرف القوى الثوريه لأن تلك المقترحات لا تحقق أهداف ثوره ديسمبر المجيده ولا ترتقى لمطالب الشارع الثائر الداعى لعودة العسكر للثكنات..كما أنها لاقت تعنت من العسكر أنفسهم لرفضهم الخروج من المشهد السياسى والعوده للثكنات.
ولعل أبرز مؤشرات رفض القوى الثوريه لبعض مقترحات الوسطاء الدوليين..ما حدث من تعليق لمفاوضات فندق السلام روتانا..لطبيعة المشاركين فيها وبأن المفاوضات بوجود تلك الأطراف لن تفضى لأنهاء الانقلاب.
بعد ذلك حدث نشاط كبير من الفاعلين الدوليين لأهمية الوصول لحل سياسى يفضى لأنهاء حالة الانقلاب ويعيد المسار المدنى الديمقراطى من جديد..وأن المجتمع الدولى لن يسمح بأنزلاق الدولة السودانية نحو الفوضى..لأهميه السودان الجيوسياسيه وتأثيره الإقليمى والدولى…التصعيد الكثيف للشارع الثورى أقنع قادة الانقلاب بأنه من المستحيل عليهم تسيير ألامور بالدولة فى ظل هذا الاحتقان السياسى والانهيار الاقتصادى..وذلك المد الثورى العارم والمتزايد.
بعد وصول العسكر لهذه القناعات من جانبهم..كانت هناك مجهودات من اللجنة التسييريه للمحامين حيث كانت ضربة البدايه للاعلان الدستورى..هذه الخطوه التى تشير إلى أن القوى الثوريه قد إستدعت ذاكرتها السياسيه فى تاريخ التطور الدستورى الذى قاد إلى الاستقلال كما ذكرنا أنفا..ولعل البون الشاسع بين الفرقاء السياسيين كان من أسباب العمل على أعلان دستورى قبل الاعلان السياسى مما عمل على تجسير الهوه بينهم (حتى هذه الخطوه على الأقل)
من خلال مفاوضات غير مباشره عبر الوسطاء الدوليين..فأتاح ذلك إمكانية التوقيع على الاعلان السياسى ثم التوقيع على الاتفاق الإطارى بعد ذلك من جانب القوى الثوريه وقوى الانتقال والعسكر فى
٥ ديسمبر ٢٠٢٢.
كانت أهم بنود الاتفاق الإطارى ما يلى:-
١- فتره إنتقالية لا تتعدى ٢٤ شهرا.
٢- مستوى سيادى مدنى.
٣- رئيس وزراء مدنى.
٤- خروج العسكر من المشهد السياسى والعوده للثكنات.
٥- دمج كل القوى المسلحه فى جيش مهنى قومى واحد بما فيها قوات الدعم السريع.
٦- أيلولة الشركات الامنيه لوزاره الماليه ماعدا التى تعمل فى التصنيع الحربى.
٧- العداله الانتقالية وعدم الافلات من العقاب.
٨- مراجعة اتفاق جوبا للسلام.
٩- لجنة إزالة تمكين نظام ال٣٠ من يونيو.
١٠- قضايا شرق السودان.
١١- تكوين حكومة تنفيذيه من كفاءات.
١٢- وضع رؤيه إقتصادية للخروج من الأزمة الاقتصادية الخانقة والاهتمام بمعاش الناس.
قوبل الاتفاق الإطارى بأرتياح من قطاعات كبيره من الشعب السودانى..وتجسد المشهد حول الاتفاق الإطارى كما يلى:-
١- قطاع واسع من الشعب السودانى داعم للأتفاق الإطارى بوصفه قد تناول كافة الجوانب لأهداف الثوره..وجل مطلوبات الشارع الثورى..كما أنه يعمل على وقف الانهيار الوشيك للدولة السودانية.
٢- قطاع رافض للأتفاق الإطارى وهذا القطاع به مكونين:-
أ-المكون الاول..وهى قوى سياسية ثوريه تتفق مع الحريه والتغيير فى امهات القضايا الوطنيه من أبرز هذه القضايا..قضيه التحول المدنى الديمقراطى وعودة العسكر إلى الثكنات..ولكنها تختلف مع الحريه والتغيير بأن سقف الاتفاق والشروط يجب أن تكون أعلى بحيث يكون التغيير جذريا.
وهنا يجب علينا أن نطرح سؤالا على الأحزاب الثوريه الرافضه للأتفاق الاطارى(مع إحترامنا الكامل لخيارات تلك القوى)
أليست بنود الاتفاق الإطارى أكثر شمولا وأعظم فى مكاسبها تجاه التحول المدنى الديمقراطى. من الوثيقه الدستورية المؤوده؟
ألم تقبل هذه الأحزاب الوثيقة الدستورية على علاتها وكانت جزء لا يتجزأ منها..وحتى من رفض الوثيقة الدستورية بعد ذلك..ألم يكن بطريقه أو بأخرى جزءا من إداره الدولة المحكومة بتلك الوثيقه..تلك الوثيقة التى حكمت الفتره الانتقاليه
كانت تنص على شراكه كامله بين العسكر والمدنيين بل حتى رئاسه مجلس السيادة فى النصف الاول من الفتره الانتقاليه كانت للعسكر..فكيف يفهم قبولكم بالوثيقة الدستوريه وشراكة العسكر..ثم ترفضون الاتفاق الإطارى..الذى ينص على حكم مدنى كامل فى كل مستويات السلطه..التشريعيه والسيادية والتنفيذية..وينص أيضا على خروج العسكر من المشهد السياسى وعودتهم للثكنات..فاليضع الجميع بنود الوثيقة الدستورية المنقلب عليها التى شاركت فيها جل القوى الثوريه وبنود الاتفاق الإطارى..ونقارن أيهما أقرب إلى روح الثورة وأهداف الثورة. ب-المكون الثانى من القوى الثورية الرافضه للأتفاق الإطارى هو الشارع بكافة تكويناته وعلى رأسها لجان المقاومة الباسلة(رغم أن الشارع ليس على قلب رجل واحد فى رفض الاتفاق الإطارى).
لاشك أن الشارع يعتبر الضامن للحفاظ على شعلة الثورة متقده.
وطبيعة تكوين الشارع هو تكوين افقي يسع الجميع متى ما توافقت الأهداف الثورية الأساسية..فالتنظيم الأفقى بحسب طبيعته هو تنظيم فاتح ومنفتح على كل قوى الثورة ولا يمثل حزبا أو تيارا معين(وهذا سر قوتة) ولا يمتلك قيادة مركزية..ولا يمتلك منفستو خاص به غير إيمانه بالثورة والتغيير..كما أنه لا يملك برنامج لما بعد سقوط الانقلاب..بمعنى برنامج سياسى إقتصادى أمنى إجتماعى لأدارة الدولة..ولذلك فأن التنظيم المفتوح أو الأفقى هو تنظيم متقدم يحافظ على إتقاد شعلة الثورة.
هذا الشارع القوى مطلوب ومرغوب فيه..سواء وافق على الاتفاق الإطارى..أو كانت لديه تحفظات عليه..أو حتى لو رفض الاتفاق بالمجمل..لأنه هو الضامن لتنفيذ الاتفاق للتحول المدنى الديمقراطى وعودة العسكر للثكنات..وهو الداعم لعدم الانقلاب على الاتفاق مرة أخرى كما تم الانقلاب على الوثيقة الدستورية..ولذلك فاليقم الشارع بدوره متوحدا..وتقوم القوى السياسية الثورية بما يليها
فى الحل السياسى بحكم انها تنظيم رأسى هرمى تمتلك قياده مركزية وتمتلك كادر مدرب سياسيا ولها منفستو وبرنامج وتراكمات سياسية واسعه ممتده لعشرات السنين..كما تمتلك رؤيه واضحه لمطلوبات إدارة الدولة
التى هى بالتأكيد تختلف عن مطلوبات إدارة الثورة.
ولذلك فاليعمل كل طرف من أطراف القوى الثورية ما يليه طالما أن الأهداف المطلوبه واحده وهى التحول المدنى الديمقراطى وعودة العسكر للثكنات.
هذا التحول الذى يعتبر الضامن الوحيد لتنفيذه هو وحدة قوى الثورة كافه.
٣_ القطاع الثالث هو قطاع المتأمرين على الاتفاق الإطارى من الداخل والخارج..فى هذه الأجواء نشط خفافيش الظلام داعمى الشمولية وحكم العسكر من فلول النظام البائد ومن ازلامه الذين عاثوا فسادا مع النظام الكيزانى وتقاسموا المواقع الدستورية معه حتى سقوطه المدوى فى ١١ ابريل ٢٠١٩.
كان العنوان الأبرز الذى ترفعه هذه الشرازم المدعومة من الداخل والخارج..هو تقويض الاتفاق الإطارى.
شهدت فترة ما بعد التوقيع على الاتفاق الإطارى عمل منظم وممنهج ومدروس ومدعوم لتقويض الاتفاق…عبر إطلاق مبادرات ضرار مثل مبادرة نداء أهل السودان التى تدثر بها منسوبى النظام الساقط..عملت هذه المبادرة لتلغيم الأجواء السياسيه للحيلوله دون التوصل لأى حل سياسى.
كما ظهر فى المشهد السياسى تنظيمات(قصد أن تكون موازيه لمركزى الحرية والتغيير) مثل الحرية والتغيير-الكتلة الديمقراطية..تحت رئاسه السيد/جعفر الميرغنى العائد مؤخرا من القاهره.
وسمع الجميع تهديدات على العلن بالعوده إلى الحرب فى حالة المساس بأتفاقية جوبا للسلام..بالرغم أن أبرز ما تم تطبيقه منها(بعد وقف الحرب) هو مشاركة قادة فصائل الكفاح المسلح فى السلطة.
كما ضجت وسائل الإعلام بالتهديدات المتكرره لقادة قبليين معروفين بولائهم للمؤتمر الوطنى بأغلاق الطرق وإغلاق الموانئ فى شرق السودان.
كان كل ذلك سيناريو منظم للعمل على إجهاض الاتفاق الإطارى والعمل على تقويضه بعد التوقيع عليه وعرقلة تنفيذ بنوده حال تكوين الحكومة الجديده.
عندما فشلت كل تلك المحاولات فى وقف دوران عجلة الاتفاق..قامت القاهره بالدفع بقيادات لها ثقل سياسى طائفى..فكانت عودة السيد/محمد عثمان الميرغنى إلى مطار الخرطوم على متن طائره مصرية..إيذانا بأن الصراع قد إتخذ مسارا جديدا أكثر حده.
ولكن هذه العوده قد أظهرت خلافا حادا داخل بيت أل الميرغنى بين السيد/الحسن الميرغنى المؤيد والموقع على الاتفاق..وبين السيد/جعفر الميرغنى الذى يقف على الضفه الاخرى من النهر منفذا للرؤيه المصرية.
ظهر هذا الخلاف جليا عندما اشترط السيد/محمد عثمان الميرغنى مغادره نجله السيد/الحسن الميرغنى لمطار الخرطوم حتى يترجل من الطائرة.
لعل ما حدث فى المطار كان
إشارة لفشل مبكر لمهمة السيد/جعفر الميرغنى.
وليس بعيدا من هذا السيناريو وصول السيد/محمد طاهر ايلا القادم من نفس الوجهه لتنفيذ نفس المهمة وهى عرقلة وتقويض الاتفاق الإطارى لعل كل هذه المحاولات قد انعشت الذاكره السياسية للشعب السودانى لرقصة الحرب التى رقصها الصاغ صلاح سالم وهو شبه عاري مع محاربى الدينكا
هذه الرقصه التى لازال يتردد صداها فى المشهد السياسى السودانى حتى يوم الناس هذا.
هذه الرقصه التى أدت(مع مجموعة أخرى من الأسباب)إلى اندلاع اول تمرد فى توريت بجنوب السودان..هذا التمرد الذى أدى بدوره الى واحده من أطول الحروب الاهليه..كانت نتيجتها فى نهاية المطاف انفصال جنوب السودان عن شمالة.
تحركات الصاغ/صلاح سالم فى جنوب السودان وكما ذكرنا فى صدر هذا المقال كانت لدفع الحاكم العام بتفعيل الماده (١٠٢-ا ) الخاصة بأعلان الحاكم العام لحالة الطوارئ الدستورية والتى تسقط حكومه الأزهرى وتعلق البرلمان وتعيد إدارة الدولة للحاكم العام مره اخرى..بتقويض إتفاقية ١٢ فبراير برمتها..كان كل ذلك لأرغام الزعيم الأزهرى للقبول بالاتحاد مع الدولة المصرية..هذه الوحده التى قال فيها الشعب السودانى كلمتة..برفضها..ورفضها الزعيم الأزهرى لمجموعة كبيره من الأسباب لايسع المجال هنا لذكرها.
ولعل ما يوازى المادة(١٠٢- ا ) الان لتقويض الاتفاق الإطارى..هو نشر الفوضى السياسيه والامنيه وتغبيش الرؤيا الوطنية على أبناء الشعب السودانى..وهو ما يحدث الآن تماما.
نقولها الان..أن على الدولة المصرية وأجهزة مخابراتها ومريديها واتباعها فى السودان إعادة النظر للواقع السودانى الان
فبالتأكيد أن السودان فى عام ١٩٥٦ ليس هو سودان مابعد ديسمبر..بعد موجة الوعى السياسى الكبيره التى عمت الشعب بصوره عامه وشبابه بصوره أكثر تخصيصا.
فأذا كانت الوحده المصرية السودانية لم تحدث فى عام ١٩٥٦ بسبب سوء إدارة الصاغ/صلاح سالم لملف السودان وعدم إدراكه لطبيعة المكونات المعقده للدولة السودانية.
لاشك أن اى تقارب سياسى إقتصادى بين السودان ومصر يصعب التوصل إليه الآن..فى ظل إصرار مصر الرسمية للسباحه ضد تيار إرادة الشعب السودانى فى التحول المدنى الديمقراطى..هذا الإصرار الذى تخيم عليه عقلية الصاغ/صلاح سالم فى عدم الفهم الصحيح لطبيعة الشعب السودانى والتى كانت سببا فى تحول قطاع من الشعب السودانى من تأييده للوحده مع مصر فى خمسينات القرن الماضى إلى المطالبه بالاستقلال التام..نفس هذه العقليه هى التى تمنع وجود علاقات مستقره ومتطورة بين مصر والسودان كما ينبغى لها أن تكون.
لاشك أن وحدة القوى الثورية هى الضامن الوحيد لصمود الاتفاق الإطارى فى وجهه كل المؤامرات التى ذكرناها والتى تعمل على تقويضه.
فهل يمكن للأتفاق الإطارى الصمود فى وجهه كل المؤامرات التى تحاك ضده..وينهى تواجد العسكر فى السلطة وإلى الأبد..كما أنهت اتفاقيه ١٢ فبراير الحكم الثنائى البريطانى المصرى وأنزلت علمى بريطانيا ومصر وإلى الأبد؟
هذا ما سوف تفصح عنه قادمات الايام.

تعليقات
Loading...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد