أزمات السودان الاقتصادية تمس عصب التعليم

100

منى عبد الفتاح
بعد إضراب معلمي المدارس في أقاليم عدة في السودان بسبب ضعف رواتبهم بتنفيذ إغلاق شامل للمدارس الحكومية، وهو الإغلاق الثالث خلال شهر واحد، سير طلاب جامعات على رأسها جامعتا الخرطوم والسودان للعلوم والتكنولوجيا مواكب إلى وزارة التعليم العالي احتجاجاً على زيادة الرسوم الدراسية التي فُرضت وطبقت أخيراً. وصف الطلاب الرسوم الجامعية بـ”التعجيزية” وأنها تأتي تمهيداً لخصخصة الجامعات الحكومية، رافعين شعارات منها “لا لتسليع التعليم” و”نعم لمجانية التعليم للجميع”. وعلى أثر هذه الاحتجاجات، أعلنت جامعة السودان تعليق الدراسة إلى أجل غير مسمى. وكانت أزمة الرسوم الدراسية قد تصاعدت في جامعات عدة، من ضمنها جامعة الخرطوم (أعرق جامعة سودانية)، ودخلت الجامعات السودانية في إضرابات خلال العام الماضي.

وبسبب الأزمات الاقتصادية المتراكمة التي تحيط بالمواطنين السودانيين في قطاعات عدة، وجد المنتمون إلى قطاعي التعليم العام والعالي أنفسهم في خضم هذه الأزمات ولم يكن أمامهم حل سوى استخدام سلاح الاعتصام الذي بدأوا به أولاً، ثم تطور إلى الإضراب عن العمل، وتسيير الاحتجاجات من قبل الطلاب بعد أن فقدوا أي أمل في استجابة الجهات المعنية. وقد نوهت إلى ذلك الجامعات بأن ألقت بالكرة في ملعب السلطات المسؤولة التي لم تترك لها خياراً إزاء نكوصها عن “تمويل متطلبات العملية التعليمية وتطبيق شعار مجانية التعليم كاملة”، غير فرض رسوم دراسية تدعم متطلبات التعليم العالي.

أزمة ممتدة

أزمة التعليم الجامعي الممتدة هي وليدة عقود طويلة، فقد شرع النظام السابق بعد الانقلاب الذي نفذه في عام 1989 بإصدار قرارات سميت “ثورة التعليم العالي” وشرعت الحكومة الجديدة حينذاك في التوسع الأفقي بحجة أن ميراث النظام التعليمي السابق في عهد حكومة الصادق المهدي لم يكن يسمح باستيعاب أكثر من ستة في المئة من الممتحنين للشهادة السودانية كل عام. وكانت الفكرة في أن توزع المؤسسات التعليمية العليا في الأقاليم بدلاً من تكدسها في العاصمة، ولكن لم يرافق ذلك المشروع تنمية تُذكر بل أنشأت الجامعات وسط موارد شحيحة في الأقاليم، وضاعفت عدد الجامعات بالعاصمة الخرطوم مع بقاء الموارد والخدمات على حالها بالتصديق للجامعات الأهلية.

وبعد ثورة ديسمبر (كانون الأول)، قام وزير المالية في حكومة عبدالله حمدوك الأولى إبراهيم البدوي في ظل الأزمات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد السوداني بزيادة أجور موظفي الدولة ومنهم المعلمون وأساتذة الجامعات بنسبة 500 في المئة بحسب السلم الوظيفي، مما أحدث عجزاً في الميزانية العامة نسبة لزيادة الاستهلاك وتدني الإنتاج، كما أدى ذلك إلى زيادة نسبة التضخم نسبة لطباعة كميات كبيرة من الجنيه السوداني.

وبعد خمسة أشهر على قرارات رئيس مجلس السيادة الفريق عبدالفتاح البرهان التي فرضها في 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر قراراً بحل مجالس إدارات الجامعات الحكومية وأقال 30 من مديريها. وصف متابعون ذلك القرار بأنه تغول على استقلالية الجامعات، وهروباً من الالتزام بالمسؤولية إزاء الهيكل الراتبي لأساتذة الجامعات، خصوصاً أن “الاتحاد المهني لأساتذة الجامعات” كان قد قرر إضرابات عن العمل توقفت على أثره الدراسة الجامعية لأشهر احتجاجاً على رفض وزارة المالية اعتماد قرار كان قد أصدره رئيس الوزراء المستقيل عبدالله حمدوك، وكان من المفترض أن يتم بموجبه إجراء تعديلات في الهيكل الراتبي لتحسين أوضاع أساتذة الجامعات”.

هجرة عكسية

قال الأستاذ في جامعة الإمام المهدي بولاية النيل الأبيض، صلاح محمد إبراهيم، “تكمن مشاكل التعليم العالي والبحث العلمي في الجامعات السودانية الحكومية والخاصة في ازدياد الرسوم الدراسية بنسبة تجاوزت 200 في المئة، خصوصاً في الكليات التطبيقية وفي مقدمتها العلوم الطبية والهندسية في الجامعات بالعاصمة الخرطوم، إذ تتراوح الرسوم الدراسية الجديدة حسب الزيادة حوالى ألف دولار في الجامعات الحكومية للقبول الخاص والجامعات الخاصة، وفي الكليات النظرية أقل من ذلك. أما في الولايات فتقل الرسوم الدراسية عن تلك المقررة في الجامعات بالخرطوم”.

وأضاف إبراهيم “أصبحت حال التعليم العالي والبحث العلمي في الخرطوم في غاية الصعوبة وتعتريه مشاكل الضائقة المعيشية والغلاء الطاحن، فالطالب يحتاج إلى مصاريف يومية لوجباته الغذائية وتحركه من وإلى الجامعة، إضافة إلى المعينات الدراسية الأخرى. وهنالك رسوم التسجيل ورسوم استخراج البطاقة واستخراج الشهادات بعد التخرج وحفل التخريج، وغيره من التكاليف”.

وأكد أن “عدم استتباب الأمن، وتذبذب العام الدراسي في الجامعات في العاصمة الخرطوم، وارتفاع السكن في الداخليات، إضافة إلى التفاوت في الرسوم الدراسية دفع كثيراً من الأسر إلى نقل أبنائها إلى الجامعات الخاصة والحكومية بالولايات، وبخاصة الطلاب المتفوقون الذين يستفيدون من فرص المنح التي وفرتها لهم وزارة التعليم العالي إذ فرضت على الجامعات الخاصة أن يتم قبول اثنين في المئة من الطلاب المتفوقين”.

وأوضح أن “هذا الوضع خلق هجرة عكسية إلى الولايات طلباً للاستقرار والحياة الآمنة، وأن يكون الطلاب بالقرب من ذويهم، إذ إن أعداداً كبيرة من طلاب الأقاليم كانوا يعانون من تردي أوضاع الجامعات بسبب عدم الاستقرار في الخرطوم”.

عقبة الرسوم

وأشار إبراهيم “على الرغم من أن الجامعات في الأقاليم احتوت عدداً كبيراً من القادمين إليها المستفيدين من المنح، ولكن تظل الرسوم الدراسية عقبة تقف في وجه كثير من الطلاب من مواصلة تعليمهم، وإن حلت مشكلة الرسوم جزئياً تظل أزمة المصروفات ومشاكل أخرى مثل قطع التيار الكهربائي لساعات طويلة وندرة مياه الشرب في عدة أشهر من السنة وارتفاع أسعار الغاز والبنزين والخبز وغيرها، فهنالك أسر تعول ثلاثة أو أربعة من الأبناء كلهم في الجامعات وبحاجة إلى مصادر دخل إضافية. نجد أن كثيراً من الأسر تقتطع من مصاريفها المعيشية لتعليم أبنائها خصوصاً في الكليات التطبيقية مثل العلوم الطبية وعلوم التمريض التي تجد إقبالاً كبيراً لتوفر سوق العمل الداخلي والخارجي”.

وفي تعليقه على استمرار ارتفاع الرسوم الدراسية قال “شمل ارتفاع الرسوم الطلاب الأجانب من دول الجوار الذين بدأوا في العودة إلى بلدانهم لتكملة دراستهم هناك”. وأضاف “وللمفارقة فإن الأزمة الاقتصادية مع زيادة الرسوم أجبرت أغلب الأسر السودانية على الهجرة مع أبنائها لإكمال دراستهم في دول أخرى مثل مصر وتركيا وهي أقل تكلفة مقارنة بالسودان”.

خطة مدروسة

من جانبه قال نائب عميد شؤون الطلاب بجامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا بالخرطوم المعروفة بجامعة “مأمون حميدة”، حسن موسى، إن “زيادة الرسوم في الجامعات والكليات الخاصة تتم وفقاً لخطة تخضع لدراسة خاصة إذ تقوم الإدارة بحساب المنصرفات ثم تضع الرسوم المحددة، كي لا يتأثر أساتذة الجامعات والموظفون بذلك، كما يتم تقسيط الرسوم الجامعية للطلاب حتى يتمكنوا من توفيرها”.

وزاد “وفقاً لهذه الخطة لم تتأثر كثير من الجامعات التي تلتزم بها بالزيادة، فنجد أنه في كل عام يغلق باب التقديم قبل الموعد المحدد خصوصاً في كلية الطب لتزايد الإقبال كل عام عما قبله”. وذكر أن “الرسوم الدراسية لجامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا مثلاً وهي جامعة خاصة، تتساوى مع رسوم كلية الطب جامعة الخرطوم فئة القبول الخاص”.

ويرى موسى عدم تأثر الطلاب بزيادة الرسوم الجامعية وأوضح في هذا الشأن “أن معظم الطلاب والطالبات في الجامعات الخاصة هم من أبناء السودانيين المهاجرين في الولايات المتحدة والدول الغربية وأستراليا ودول الخليج وكذلك الحاصلون على الشهادة الثانوية السودانية من المقتدرين مالياً، حيث إن الرسوم الجامعية في السودان هي أقل من تلك التي تفرضها تلك الدول على التعليم العالي، كما أن كثيراً من الأسر السودانية تفضل أن يدرس أبناؤهم في السودان للفوارق الثقافية بين بلدهم وتلك الموجودة في المهجر”.

وأوضح أنه “رغم ذلك قد يتعثر الطلاب في تسديد الرسوم الدراسية إذا طرأ أي تغيير على وضع الأسرة المالي مثل العودة النهائية للأسرة من المهجر ففي هذه الحالة، فإن جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا مثلاً تقوم بدراسة حالة الطالب وترفع الأمر إلى الصندوق القومي لدعم الطلاب للمساهمة في تسديد الرسوم. أما في حالة وفاة رب الأسرة أثناء دراسة الطالب، فيتم إعفاؤه من الرسوم الدراسية”.
المصدر اندبندنت عربية

تعليقات
Loading...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد