هل ينقذ الإنترنت الفضائي (ستارلينك) قطاع الاتصالات السوداني من الانهيار

577

عيسى دفع الله

يعيش قطاع الاتصالات والإنترنت في السودان حالة من التذبذب تصل حد الانقطاع التام في العديد من المناطق منذ اندلاع الحرب في (15) أبريل، وخلفت هذه الحالة، غير المستقرة، تعقيدا إضافيا لما يعانيه المواطن السوداني جراء الحرب، فالعديد من التطبيقات الحيوية، كالتطبيقات البنكية، والتطبيقات الخاصة بتغذية رصيد المكالمات لبطاقات الاتصال، وحتى مواقع التواصل الاجتماعي، أضحى المواطن السوداني يجد صعوبة في الوصول إليها، ما زاد من معاناة المواطن الذي يجاهد للحصول على أبسط الحاجيات في ظل الأزمة التي خلفتها الحرب.
وأثناء ذلك، حاول المواطنون إيجاد طرق بديلة للتواصل مع ذويهم، واتمام تعاملاتهم الإلكترونية، من ضمن تلك الطرق كان هناك خيار الإنترنت عبر مزود الخدمة العالمي “ستارلينك”، فهل ستكون هذه الخدمة حلا للأزمة التي تجثم على قطاع الاتصالات، ومن قبلها المواطن؟
ماهي خدمة “ستارلينك”؟
ستار لينك” هي خدمة إنترنت عالمية تقدمها شركة بذات الاسم مملوكة للملياردير إيلون ماسك، وهي خدمة ميزتها الأساسية في أنها لا تعتمد على الشبكات المحلية، بل تقدم الخدمة مباشرة عبر آلاف الأقمار الصناعية الخاصة بالشركة، ويتحصل عليها المستخدم عبر مستقبلات أرضية تملكها الشركة عبر رسوم مالية للخدمة.
وبالإضافة إلى جودة الخدمة وسرعتها، فإن إحدى ميزاتها الأساسية تتمثل في أن الحكومات المحلية لا تستطيع التحكم فيها عبر حجب الخدمة أو الحد من جودتها، ما دفع بعض الدول لحظر دخول أجهزة الشركة، إليها كدولة إيران.
ومن دولة الإمارات يستورد التجار السودانيون أجهزة الإنترنت الفضائي إلى جوبا عاصمة دولة جنوب السودان ومنها إلى الحدود البرية بين الجنوب وشرق دارفور التي تنتشر فيها قوات الدعم السريع ومنها توزع لكل ولايات دارفور أو عن طريق دولة ليبيا وتصل عبرها بريا لدارفور وتوزع لمناطق سيطرة الحركات المسلحة في شمال وغرب دارفور.
الحرب شرارة بداية الأزمة
فيحاء تيراب (22 سنة)، طالبة سودانية بجامعة أمدرمان الإسلامية، وتعود أصولها إلى مدينة نيالا بجنوب دارفور. كانت فيحاء في بداية حرب (15) أبريل تعيش في العاصمة الخرطوم، حيث تدرس، فاجأتها الحرب ككل السودانيين، وفي تلك الأثناء التي اندلعت فيها الحرب كانت أسرتها في نيالا تعاني أيضا جراء القتال الذي انطلق في الخرطوم وفي عاصمة جنوب دارفور بالتزامن.
تقول فيحاء لـ ” جبراكة نيوز” إنها وجدت صعوبة في التواصل مع أسرتها للاطمئنان على بعضهم البعض خلال الأيام الأوائل من الحرب، ومع تفاقم الحرب وتسارع وتيرتها منذ الأيام الأولى، بدأت تلوح في الأفق بوادر لإشكالات غير متوقعة، كبداية توقف العديد من التطبيقات وسوء الشبكة في الأيام التالية لاندلاع الحرب.
توضح فيحاء إنه وبعد أيام من اندلاع الحرب، انقطعت كل السبل التي يتم من خلالها إرسال مصروفاتها اليومية بعد توقف التطبيقات المالية البنكية وشبكة الإنترنت والاتصال الأرضي.
وبسبب ما ترتب على الحرب من سوء للأوضاع الأمنية، وانتشار الجريمة المصاحبة للحرب، اضطرت لمغادرة سكنها، تقول فيحاء: “كنا ثلاث طالبات نتشارك غرفة في داخلية جامعية بعد مغادرة إدارة الداخلية ومعظم الطالبات، اقتسمنا ما لدينا من مصروف، وقررنا المغادرة لأهالينا في بعض الأحياء الآمنة التي لم تكُ في مرمى النيران وقتها، وفي ظننا أننا سنعود إلى مساكننا، على أمل أن تتوقف الحرب بعد أيام محدودة”، تتابع: “لكنها الآن على مشارف العام ولا أحد يعلم متى تتوقف”.
تشرح فيحاء إنها بعد ذهابها إلى منزل خالتها في مدينة أمبدة بأدرمان وصلت الحرب أيضا إليهم، مما دفعها للذهاب إلى نيالا، حيث منزل أسرتها، بعد معاناة في خدمة التحويلات البنكية الإلكترونية وصعوبة التواصل بالاتصالات التي تدهورت بعد الحرب بصورة كارثية ولم تنصلح إلا بعد إدخال الإنترنت الفضائي “ستارلينك” عبر جهود ذاتية من المواطنين.
الأزمة تطال كل المناطق
معاناة فيحاء عاشها أغلب السودانيين الذي شهدوا الحرب وتأثروا بانقطاع الاتصالات حتى في المدن الآمنة التي لم تشهد مواجهات مسلحة حتى اليوم.
ويعود سبب تأثر المناطق التي لم تطلها الحرب بالأزمة، نسبة إلى نزوح العديد من النازحين إلى تلك المناطق، ما تسبب في الضغط على شبكات الاتصال، فضلا عن صعوبة حركة فرق الصيانة الفنية الخاصة بالشركات المزودة للخدمة.
من بين أولئك الذين لاحقتهم الأزمة صابر آدم، (45) سنة، ويعمل ميكانيكيا، وقد نزح صابر من الخرطوم إلى مدينة كوستي عاصمة ولاية النيل الأبيض التي تأوي آلاف النازحين من المدن السودانية المتأثرة بالحرب يقول صابر، إنه ظل يعاني من التدهور المستمر لخدمات الاتصالات، ما دفعه للتفكير في إدخال الإنترنت الفضائي الذي علم إنه يعمل في مدن دارفور.
السلطات تقف في وجه الحلول
ورغم أن صابر عمل على اقتناء الخدمة عبر جهوده الذاتية وماله الخاص، بيد أن السلطات الحكومية رفضت أن تسمح له بإدخال أجهزة الإنترنت الفضائي لجهة إنها “تسهم في تواصل المتمردين مع عناصرهم داخل المدينة” حسب تبرير السلطات لصابر، ما بدد آماله.
لم يكُ صابر الوحيد الذي صدته السلطات فالكثير يحلمون بأن تسمح لهم السلطات باستخدام الإنترنت الفضائي بديلا للشبكات المحلية التي انهار جزء منها وآخر في طريقه لذات المصير.
ويبدو أن السلطات الحكومية لا تريد تحسين شبكة الاتصالات ولا تسمح للمواطن بالبحث عن طرق بديلة للتواصل، ما جعل المواطن في حالة توهان ومعاناة من عدم التواصل مع الأهل في مناطق النزاع والمناطق الآمنة.
ثلاث شركات
منذ بداية حرب (15) أبريل في السودان تعيش أغلب المدن من انقطاع في شبكات الاتصالات التي تقدمها ثلاث شركات (زين، سوداني، إم تي إن) و “زين” هي شركة كويتية سودانية، وتعد من أولى شركات الهاتف الجوال التي عملت في السودان، وشركة سوداني هي شركة حكومية تعتبر المقدم الثاني لخدمات الاتصالات، و (إم تي إن) وهي شركة جنوب إفريقية في المركز الثالث من حيث عدد المشتركين والانتشار الجغرافي.
ورغم رداءة الخدمة التي يتحصل عليها المواطن السوداني مقابل رسوم اشتراك يدفعها مسبقا فإن الخدمة المقدمة لا تستمر وتتأرجح ما بين التوقف الكلي والضعف في أغلب الأوقات.
ضيق العيش والتضييق الأمني
إقليم دارفور الذي يقسم إداريا لخمس ولايات، خرجت عن التغطية بعد سيطرة قوات الدعم السريع على أربع ولايات ما حرم كل السكان من التواصل مع العالم الخارجي، الأمر الذي تسبب في عزلة كارثية انعكست على كل الخدمات العامة وأدخلت المواطنين في ضيق اقتصادي باستحالة التحاويل البنكية الإلكترونية التي يعتمد عليها أغلب المواطنين الذين توقفت أعمالهم بسبب الحرب، والتي كانت يتلقونها من أهاليهم من خارج السودان أو في المدن الآمنة.
وبحسب مواطنين تحدثوا لـ “جُبراكة نيوز” فبعد توقف الاتصالات زادت الانتهاكات ضدهم من قبل قوات الدعم السريع والمليشيات المتحالفة معها، بيد أن الإنترنت الفضائي الذي تقدمه “ستارلينك” أنقذ دارفور وكل المناطق التي سيطرت عليها قوات الدعم السريع، من العزلة.
كما ساهمت خدمة “ستارلينك” في أن يتغلب المواطنين على التحديات، رغم المضايقات التي يفرضها الدعم السريع من الرقابة على المحطات الشعبية داخل الأحياء، بنشر المخبرين لتتبُع من يُشتبهون في أنهم يتواصلون مع القوات المسلحة، أو ينقلون أخبار المدينة لوسائل الإعلام أو ينشرون في منصات التواصل الاجتماعي تحديثات عن الأوضاع في المدن التي يعيشون فيها، مما يعرضهم للاعتقال ومصادرة أجهزة الاتصال التي يستخدمونها.
اتهامات للشركات المحلية بالرقابة والتجسس
يقول الخبير التقني في مجال الاتصالات نصر الدين يحيى، إن تحكم الجهات الأمنية في قطاع الاتصالات لم يكُ وليد اليوم، فمنذ تأسيس شركات الاتصالات بثوبها الجديد بفضل ظهور الهواتف المحمولة مطلع الألفية الثانية، والتطور الكبير الذي صاحبه بانتشار شبكات الإنترنت كانت الأجهزة الأمنية في السودان تفرض رقابة شديدة على المعارضين للسلطة الحاكمة في عهد عمر البشير، من خلال التنصت على المكالمات وتتبع تحركاتهم.
ويضيف نصر الدين في حديث لـ “جُبراكة نيوز” إن ذلك أنتج انتهاكات واسعة للقوانين المحلية والدولية المتعلقة بخصوصية الأفراد والحق في استخدام الاتصالات والإنترنت بكل حرية، إضافة إلى تدخل السلطة للتعامل مع الاتصالات كملف أمني، ما دفعها لإبطاء الشبكات خوفا من الحراك الثوري وتوثيق الانتهاكات ورفعها على الشبكة.
وأشار يحيى إلى أنه في عهد حكومة الفترة الانتقالية برئاسة عبد الله حمدوك، فقد كشفت وسائل إعلام عن إدخال قوات الدعم السريع لمنظومة التجسس الإسرائيلية “بجاسوس” إلى السودان عبر مطار الخرطوم ومن ثم رحلتها لدارفور، ويتساءل “يحيى أين هي الآن؟”.
ومع “بجاسوس” يقول يحيى إن هناك أيضا تقنيات اتصال روسية ساهمت في إحداث تشويش ورقابة وقطع للاتصال في مدن العاصمة الخرطوم ونيالا بجنوب دارفور والأبيض بشمال كردفان، خلال الحرب التي اندلعت في (15) أبريل من العام الماضي، ويشير يحيى إلى أن قوات الدعم السريع كانت تريد أن تستحوذ على شركة زين للاتصالات، ويضيف: “لحسن الحظ لم تكتمل الصفقة، لأنها كانت ستمكن الدعم السريع من الاطلاع على كل بيانات السودانيين المشتركين في خدمات الشركة”، موضحا أنها كانت قد ستتملكها جهة لها ارتباطات اقليمية ودولية تضر بالأمن القومي.
وتشير إحصاءات غير رسمية إلى أنه من بين سكان السودان المقدر عددهم بحوالي (43.33) مليون نسمة، يستخدم منهم (13.38) مليون نسمة الانترنت، فيما يستخدم الهاتف المحمول (32.83) مليون شخص بما يعادل 76% من مجموع السكان، في حين تبلغ نسبة التغطية بخدمة الاتصالات في البلاد 60%.
وقال عضو نقابة تكنولوجيا المعلومات الاتصالات أشرف عبد الرحمن إن نسبة تغطية بعض شركات الاتصالات في السودان تقلّصت إلى أقل من 20%، نتيجة تحول مقر مزودات الخدمة الرئيسية المتمركزة في العاصمة الخرطوم إلى ثكنات عسكرية وتدمير العديد من محطات الربط الشبكي (أبراج الاتصالات) جراء المعارك الحربية، وفق ما قاله لـ “عاين”، وينبه أشرف، إلى أنه من الممكن أن يصبح السودان بلا اتصالات قريبا إذا لم تتحرك الشركات بسرعة وتقوم بتفعيل“ سياسة الأزمات”، فينبغي عليها المسارعة في تأسيس مزودات خدمة في الولايات الآمنة، فهو شيء مكلف مادياً ويتطلب وقتاً، لكنه ضروري لإنقاذ الموقف، وفق أشرف.
بينما أشار الأمين العام لشبكة حقوق الإنسان والمناصرة لأجل الديمقراطية “HAND” ضرار آدم ضرار، إلى أهمية الحق في الحصول على المعلومة من خلال استخدام وسائل الاتصالات، معتبراً إنها من الحقوق التي يجب على الدولة أن توفرها لمواطنيها، مشيراً إلى أن الانتهاكات التي حدثت في دارفور ومدن آخرى تمت بغرض التعتيم الإعلامي وإجبار المواطنين للعيش في عزلة عن العالم.
ولفت ضرار، إلى أن غياب الاتصالات أسهم في زيادة معاناة المواطنين بعد توقف التطبيقات البنكية وانقطاع التواصل بين الأسر وداعميها من المغتربين، منوها لضرورة احترام طرفي النزاع لحقوق الإنسان وعدم اقحام المواطنين في الصراع.

نقلًا عن الجبراكة نيوز

تعليقات
Loading...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد