معسكرات اللاجئين في السودان… ذخيرة “الاتجار بالبشر”

190

وكالات: الفلاسفة نيوز

محللون: “أوضاعها الصعبة تنعش سوق الهجرة وتحفز عصابات التهريب المنظمة على النشاط”


باتت قضية الاتجار بالبشر أو تهريب المهاجرين غير الشرعيين إحدى المشكلات المؤرقة الكبرى التي يعانيها السودان وبعض دول المنطقة، لكنها تحولت في الآونة الأخيرة إلى جريمة منظمة عابرة للحدود تقودها عصابات تتخذ مسارات وطرقاً وعرة عبر الصحارى والسهول في طريقها إلى الخرطوم، وتستأجر مقاراً لإيواء المهاجرين تمهيداً لبداية المرحلة التالية من الرحلة صوب الحدود الليبية في اتجاه البحر المتوسط.

أوكار داخل الخرطوم

وعلى رغم المؤتمرات وورش العمل التي عقدت والقوانين التي وضعت والاتفاقات والمعاهدات التي صادق السودان عليها لمحاربة الظاهرة، فإن الواقع يشير إلى تزايدها المطرد واستفحالها خلال الفترات القليلة الماضية، إذ لم يكن لهذه الجريمة وجود حتى عام 2007 ليتحول بعدها السودان معبراً ومسرحاً واسعاً لها، بحكم الحدود الممتدة والمفتوحة شرق البلاد.

وخلال الأشهر والأسابيع الماضية ظلت الأجهزة الأمنية وقوات الدعم السريع توجه ضربات متتالية لأوكار ومخابئ الاتجار بالبشر وتهريبهم في داخل الخرطوم نفسها، بعد تسلل الشبكات المنظمة التي تدير نشاطها في الخفاء وفق محطات محددة لتسليم وتسلم وتخزين الضحايا عند أطراف العاصمة.

وتمكن فريق مشترك من جهاز الاستخبارات العامة وشرطة مكافحة الاتجار بالبشر من ضبط الموقع المركزي للعصابات في الخرطوم، حيث يتم فيه إيواء ضحايا التهريب في إحدى ضواحي أم درمان الطرفية.

ووفق المكتب الصحافي للاستخبارات العامة فإن العملية التي اعتبرت الأكبر من نوعها، أسفرت عن ضبط ثلاثة متهمين و61 ضحية من جنسيات عدة، إضافة إلى قطعة سلاح ومؤن غذائية كاملة.

وأوضح مكتب الاستخبارات أن المجموعة الموقوفة تم ترتيب وإعداد جوازاتهم بحسب الدول المخطط التهريب إليها، وسجلت العصابة اعترافات كاملة عن مخطط المسار والوجهات التي سيتم نقل الضحايا إليها ومن بينها منطقة المثلث الحدودية مع دولة ليبيا.

وخلال الأسبوع الماضي أوقفت قوات الدعم السريع 15 مهاجراً غير شرعيين على متن عربة لوري بمنطقة “القريبة” على طريق الفشقة – القضارف، وقبلها بأيام أحبطت شعبة استخبارات اللواء (46) مشاة شرق السودان محاولة تهريب 20 من ضحايا الاتجار بالبشر من إحدى دول الجوار، غرب مدينة طوكر، بعد اشتباكات وتبادل لإطلاق النار مع المهربين، وجرى تحرير الرهائن بعد فرار المهربين من دون وقوع خسائر.

وأوضح قائد المنطقة العميد ركن حافظ الأمين أن العملية تمت بعد توافر معلومات دقيقة حول وجود نشاط بتلك المنطقة لإحدى الشبكات الإجرامية التي تعمل في الاتجار بالبشر والسلاح والمخدرات، مشيراً إلى أن الرهائن الذين تم تحريرهم وجدوا مقيدين بالسلاسل الحديد بعد أن تم اختطافهم من داخل حدود إحدى دول الجوار بالقوة، وفق إفاداتهم.

معسكرات طاردة

وحذر مساعد معتمد اللاجئين بولاية البحر الأحمر عثمان عبدالله عوض الكريم من تحول بعض عمليات التهريب إلى اتجار بالبشر، معتبراً أن معظم عمليات التهريب تمكنت السلطات الأمنية والدعم السريع من إحباطها.

ولفت عوض الكريم إلى أن بعض اللاجئين لا يرغبون في مغادرة السودان بدعوى أن أسباب لجوئهم لا تزال قائمة في بلدانهم، مفسراً وجود اللاجئين في بعض المدن السودانية بضعف البيئة داخل معسكرات اللجوء، وغياب الدعم الكافي من المجتمع الدولي الذي لا يكاد يغطي نسبة 10 في المئة مما هو مطلوب فعلاً، مما يؤدي إلى عدم استقرار اللاجئين وهربهم من المعسكرات وتدفقهم نحو المدن السودانية.

وعلى صعيد متصل، نوه الخبير باللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر إسماعيل تيراب إلى أن كثيراً من الحالات التي تضبط في الصحراء هي عمليات تهريب وهجرة غير شرعية وليست اتجاراً بالبشر، لعدم توفر شرط الاستغلال.

ويصف تيراب الهجرة غير الشرعية بأنها تمكين دخول مهاجر أجنبي غير شرعي بصرف النظر عن طريقة دخوله، بينما يرتبط الاتجار بالبشر بالعمل القسري أو الاستعباد أو تجارة الأعضاء أو الاستغلال الجنسي أو خلافه، فالمهاجر غير الشرعي عرضة للاستغلال وبالتالي يمكن أن يكون في المرحلة الأولى مهاجراً غير شرعي ثم يتحول إلى مهاجر مكنه مهرّب من الدخول، ويكون ضحية محتملة للاتجار بالبشر أو أن يكون متجراً به.

ويعتبر تيراب ادعاءات اللجوء أحد روافد التهريب والاتجار بالبشر، فضلاً عن التسرب اللاحق من معسكرات اللجوء، وهي الظاهرة التي تسبب فيها ضعف التمويل المخصص من وكالات الأمم المتحدة لتهيئة بيئة المعسكرات، مما يجعلها طاردة نتيجة لشح الخدمات الأساس فيها، مشيراً إلى أن قضية اللاجئين هي مسؤولية المجتمع الدولي، مما يرفع نسب التسرب ويجعله يشكل تهديداً جدياً يغذي ظاهرة التهريب والاتجار بالبشر.

ونوه الخبير باللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر إلى أن بعض المهاجرين الذين لا يمتلكون المال اللازم يقنعون المهربين بأن لديهم قريباً أو شقيقاً سيدفع عنهم المال المطلوب فور وصولهم إلى وجهتهم، لكن ما يحدث هو تنصل القريب من الدفع والسداد فيقوم المهربون باحتجاز الشخص أو الأشخاص في مكان ما مطالبين بسداد حقوقهم، ويزيد تعقيدات المشكلة أن القضية من الأساس غير قانونية وبالتالي يصعب الخوض فيها قانونياً.

المعالجات الجذرية

وأكد تيراب أن “من أهم ركائز مجابهة ظاهرة تهريب البشر والاتجار بهم معالجة الأسباب الجذرية للمشكلة، وكلها أسباب ذات صلة وثيقة بتسريع وتيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية حتى لا يضطر الناس إلى المخاطرة بأرواحهم”.

ولفت إلى أنه في حال استمرار سوء الأوضاع بمعسكرات اللاجئين فسيصبح من حق السودان اتخاذ قرار بالتوقف عن استقبالهم، لكنه في النهاية يبقى قراراً سياسياً للحكومات وفق تقديراتها لمضاعفات عدم وفاء الوكالات الدولية بالتزاماتها تجاه معسكرات اللاجئين.

ويستطرد تيراب، “يشكل القرن الأفريقي بؤرة ظاهرة الاتجار وتهريب البشر التي تتخذ السودان معبراً حيوياً لها، بخاصة في ظل صعوبة السيطرة على حدوده الشرقية على رغم وجود قوات مشتركة تعمل على مراقبة هذه الحدود، إذ إن قضية الهجرة غير الشرعية العابرة للحدود وتباعاتها أمر لا تستطيع دولة واحدة مواجهته بمفردها، ولا بد من تنسيق مشترك بين دول المنطقة إقليمياً ودولياً.

إلى ذلك نفى مصدر في دوائر اللجوء بشرق السودان لـ “اندبندنت عربية” وجود علاقة مباشرة لمعسكرات اللاجئين بقضية الاتجار بالبشر، لكن المعسكرات تصبح ملاذاً لمن يتم ضبطهم والقبض عليهم أثناء عمليات التهريب وتقديمهم إلى المحاكمة، فيدعون أنهم طالبو لجوء بينما هم في الواقع ضحايا عصابات منظمة للاتجار بالبشر، مشيراً إلى أن هناك نماذج كثيرة من ضحايا الاتجار بالبشر والتهريب انتهى بهم المطاف إلى معسكرات اللجوء بتلك الطريقة.

عصابات منظمة

واعتبر المصدر أن التهريب والاتجار بالبشر عملية منظمة تبدأ من دولة المنبع وفق خطط مدروسة وخطوات محسوبة، وبواسطة عصابات منظمة عابرة للحدود وفق ما أكده ضحايا كثر، بينما تقع عمليات التسرب والتسلل من المعسكرات ضمن السلوك الفردي بهدف الوصول إلى الأقارب أو الالتحاق بالرفاق، لكنها على رغم ذلك تظل ظاهرة مقلقة تمهد لهروب كثيرين مع اتساع نطاقها.

وأوضح المصدر أن عصابات التهريب تسلك طرقاً ومسارات خلوية من أقصى أطراف سهل البطانة المتاخم للحدود الشرقية، ولدى وصولها إلى المدن تتكفل شبكات صغيرة داخلية بتوزيع المهاجرين على الأحياء الطرفية، بينما تستعد مجموعات أخرى لنقلهم إلى منطقة التجميع عند المثلث الحدودي مع ليبيا، وتضعهم في أيدى عصابات ليبية تتكفل بنقلهم إلى السواحل.

من جانبها، أكدت وكيلة وزارة العدل في الورشة التي نظمتها الوزارة مع اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر التزام السودان بمكافحة هذه الجريمة بموجب القانون والاتفاقات الدولية التي تمت المصادقة عليها، لا سيما وأن السودان دولة متسعة الحدود مما يستوجب تنسيقاً إقليمياً ودولياً محكماً لمحاصرة ومكافحة هذه الجريمة التي باتت تؤرق معظم دول العالم.

وكان قطاع الحكم والإدارة بمجلس الوزراء استعرض الأسبوع الماضي أحدث تقارير الجهود والخطة الوطنية لمكافحة ومنع الاتجار بالبشر وحماية الضحايا وملاحقة الجناة جنائياً، للأعوام 2021 و2022 و2023، فضلاً عن مشاركته في كل جهود وتحركات المستويين الإقليمي والدولي.

ويقدر المدير السابق لمعهد دراسات الهجرة خالد اللورد أن هناك نحو 55 ألف شخص يتم تهريبهم سنوياً من القرن الأفريقي إلى أوروبا، وتجني عصابات الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين نحو 150 مليون دولار في العام من ورائهم.

ويشير اللورد إلى أن السودان يقع ضمن منطقة حراك سكاني دائم يقدر بنحو 10 ملايين نسمة، ويتراوح عدد ضحايا الاتجار بالبشر والمهاجرين في منطقة القرن الأفريقي بنحو 5 آلاف شخص يقضون نحبهم عطشاً في الصحراء أو غرقاً تحت أمواج البحار، مما يؤكد الحاجة الملحة إلى التعاون المحلي والإقليمي والدولي للحد من تلك الظاهرة.

تعليقات
Loading...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد