النور حمد: تحذيرات البرهان: تماهي مع الثورة أم مناورة؟

106

(1/2)
المفكر والمحلِّل السياسي المعروف د. النور حمد في حوار تحليل الواقع المأزوم لـ”التيار”

النور حمد:

· كل أفعال اللجنة الأمنیة للرئيس المخلوع أكدت عداءھا المستمر للثورة.

· الضباط الكبار في الجیش والأمن والشرطة أعضاء في المؤتمر الوطني.

· التمكين أحد أسوأ أفكار الراحل د. حسن الترابي.

· البرهان حريص على البقاء في السلطة، إما بالقضاء على الثورة، أو عبر الانتخابات.

· الإسلاميون لا يريدون دولة إسلامية، وإنما جنرالاً كالبشير يحرس مصالحهم الخاصة.

يرى المفكر والمحلِّل السياسي د. النور حمد، أن الجبهة الإسلامية والعسكر وبعض رجال الدين وبعض رجال الطرق الصوفية تحالفوا مع العسكريين ومع فلول انظام البائد لإجهاض ثورة ديسمبر. ودلل على ذلك بالعمل الممنهج لإفشال حكومة حمدوك. فقد جرى وصمها بـ “الكفر والعلمانية”. وشكك في هذا الجزء الأول من الحوار الذي أجرته معه “التيار” في أن الفريق البرهان يعني حقيقةً التحذيرات التي وجهها إلى زملائه القدامى في المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية. وعدَّ ذلك واحدة من متسلسلة مناوراته لكسب مزيدٍ من الوقت ومن الأرض على الصعيد السياسي. وسرد سيرة محاولات إجهاض الثورة منذ سقوط البشير وحتى هذه اللحظة، وأوضح أن حلف العسكريين والإسلاميين سيبقى تحت مختلف أساليب التعمية والخداع. فإلى مضابط الحوار:

حوار: سلمى عبد الله

كيف تنظر إلى لهجة خطاب البرهان في التحذيرات التي وجهها للمؤتمر الوطني وللحركة الإسلامية قبل أيام في قاعدة حطاب؟

للإجابة على هذا السؤال ينبغي تتبع مناورات الفريق عبد الفتاح البرهان منذ إزاحة المشير عمر البشير عن سدة الحكم في أبريل 2019. ويقتضي منا ذلك تتبع خيط المحاولات المتسلسلة، المستميتة، التي ما فتئت اللجنة الأمنية للرئيس المخلوع عمر البشير تقوم بها لوأد الثورة. فكل فعل قامت به المنظومة الأمنية، منذ ذلك التاريخ يؤكد عداءها المستحكم للثورة ولأهدافها. أيضًا، تؤكد كل هذه المناورات العديدة المتسلسلة التي جرت منذ ذلك التاريخ، وبقوة، مطامع الفريق البرهان الشخصية في البقاء في سدة الحكم ولمدة طويلة؛ إما بإجهاض الثورة تمامًا إن أمكن ذلك، وإما بتجهيز المسرح من أجل العودة إلى الرئاسة عبر صناديق الاقتراع، عقب الفترة الانتقالية. فعلى الرغم من الإعلانات الأخيرة التي ما انفك الفريق البرهان وزمرته يطلقونها، معلنين نيتهم التخلي عن السلطة للمدنيين، وتحذيرات الفريق البرهان للإسلاميين، وغيرهم، تنتابني الشكوك، وبقوة، في أن الفريق البرهان يعني ما يقول، حقيقة.

ماهي الشواهد على رأيك هذا؟

من يتتبع مسار الثورة بدقة، منذ إبعاد الرئيس المخلوع عمر البشير، وإلى اليوم، يستطيع أن يرى، بوضوح شديد، أن العسكريين الذين خلفوه على الحكم، لم يؤمنوا، أصلا، ولا للحظة واحدة، أن هناك ثورة قد حدثت بالفعل. كما ليس هناك ما يدل على أنهم يؤمنون أن للشعب قضية عادلة ظل يناضل من أجلها، وظل يقدم من أجلها الشهيد تلو الشهيد، والجريح تلو الجريح، إضافة إلى أرتال من ضحايا التعذيب، والمسجونين بلا محاكمة، منذ عقود. التصرف بالغ العنف والخشونة مع الشارع يدل على عداء مستحكم للثورة.

لقد سبق أن سلم العسكر السلطة للمدنيين في ثورة أكتوبر 1964 وفي ثورة أبريل 1985. فما الذي يجعلك تشكك في انهم سيسلمونها في هذه الثورة؟

الذي جعل الفريق عبود ورفقاءه لا يجدون صعوبة، في تسليم السلطة للمدنيين، عقب ثورة أكتوبر 1964، أنهم كانوا عسكريين مهنيين، غير مؤدلجين. كما أنهم لم يكونوا يتقاضون غير رواتبهم كضباط ومسؤولين كبار في الدولة. ولقد كان الوضع عقب ثورة أبريل 1985، شبيها بما كان عليه الحال في ثورة أكتوبر 1964، وإن اختلف قليلا. أما عقب ثورة ديسمبر 2018 فقد اختلف الوضع اختلافا كبيرا جدا. فالضباط الكبار في الجيش وفي جهاز الأمن وفي الشرطة منتمون إلى ما تسمى “الحركة الإسلامية”، وأعضاء في الحزب الحاكم. كما أن امتلاك القوات المسلحة وغيرها من القوات النظامية، وشبه النظامية، لمؤسسات تجارية قد خلق إمبراطوريات مالية غير خاضعة لرقابة للدولة وضبطها للمال العام. فتحولت القوات النظامية وشبه النظامية إلى العمل التجاري المخفي عن عين الدولة والشعب. يضاف إلى ذلك، أن سياسات التجنيب، قد خلقت دولة موازية كاملة الاستقلال عن الدولة الأم. ولذلك تحولت القيادات في مختلف القوات الحاملة للسلاح؛ من جيش وأمن وشرطة، إضافة إلى كبار قيادات الخدمة المدنية إلى أصحاب مصلحة في بقاء الأوضاع القائمة على ما هي عليه، دون أي تغيير. إلى جانب ذلك، هناك الأيديولوجيا الملتصقة زورا وبهتانا بالدين، التي جعلت هذه القيادات تبرر لنفسها أحقيتها المطلقة في الثروة والسلطة. فنظام الإنقاذ بدأ بالتمكين، وهو أحد أسوأ أفكار المرحوم الشيخ، حسن الترابي، التي أدت إلى أن تسطو قلة قليلة من السودانيين، هم أعضاء الحركة الإسلامية، على كل موارد الدولة. ولذلك، لا غرابة أن حرسوا ذلك الاحتكار المطلق بالحديد والنار. ولنفس الأسباب التي تقدم ذكرها، نجدهم لا يزالون مصرين على أن يعودوا إلى السلطة ليواصلوا ذات النهج.

ذكرت في بداية حديثك أننا لكي نفهم ما جرى مؤخرا نحتاج أن ننظر إلى الوراء قليلا لتتبع مسيرة محاولات المتكررة لوأد الثورة. فماذا تقول وأنت تسترجع سيرة تلك المحاولات؟

أولا، أحب أن أذكر القارئ الكريم، هنا، بما تحدث به الفريق، عوض أبنعوف وهو يعلن إزاحة عمر البشر، الأمر الذي أدى إلى مطالبة الشارع بإزاحته. ثم أنشطة الفريق عمر زين العابدين، بعد أسبوعين، فقط، من إبعاد الرئيس المخلوع عمر البشير. فبمجرد ما قدمت قوى الحرية والتغيير حكومتها للجنة الأمنية، في الأسبوع الثالث من أبريل 2019، تسربت أنباء تقول أن الفريق عمر زين العابدين، اجتمع بعبد الحي يوسف وبعض أئمة المساجد، لتحريضهم على الهجوم على قوى الثورة في خطب الجمعة حاثا لهم بقوله: “البلد حيمسكوها الكفار واليساريين”. وقد سن الثوار حملة شعواء على الفريق عمر زين العابدين أدت إلى إبعاده. المهم هنا، أن تحريض الفريق عمر زين العابدين للأئمة على ذلك النحو ليس سوى انعكاس طبيعي للعقيدة التي غرستها، الحركة الإسلامية، في أذهان أفراد عضويتها، بما فيهم كبار ضباط الجيش. ولأن كل من يحاول إصلاح الأوضاع المعوجة هذه يهدد بالضرورة مصالح هذه الفئة المنتفعة من تخريب الدولة. ولذلك، فأنهم يلجئون إلى السلاح الأكثر مضاء في التشويش وخلط الأوراق، وهو دمغ دعاة الإصلاح والتغيير بالكفر والعلمانية والعمالة وما شابه ذلك. وهو أمر لا نزال نشاهده يجري حتى هذه اللحظة، في فعالياتهم المتلفزة وفي المسيرات التي يسيرونها، وفيما تبثه جيوش الذباب الإلكتروني المجندة من قبلهم على الإنترنت.

باختصار، بدأت محاولات وأد الثورة منذ أول أسبوعين، عقب إبعاد البشير، واستمرت إلى يومنا هذا. ولقد كانت مجزرة القيادة العامة التعبير الأكبر، والأكثر دموية، في سلسلة محاولات وأد الثورة وتقويضها بالكامل. وبما أن تلك المجزرة البشعة لم تحقق الغرض المنشود، بل زادت الثورة اشتعالا، فقد اضطرت اللجنة الأمنية للجلوس مع قوى الحرية والتغيير لتتشكل عقب مفاوضات مرهقة حكومة حمدوك. وبمجرد أن وصل حمدوك، بدأ مسلسل استهداف وزراء حمدوك وهلهلة حكومته. وقد شملت جهود تشويه صورة حمدوك وصفه بالعلمانية وبالخضوع للقوى الغربية. ثم أعقب ذلك خلق الندرة في السلع الضرورية، وخلق السيولة الأمنية، وكذلك إشعال النزاعات الإثنية في مختلف المدن. كما شملت تلك الجهود شيطنة البعثة الأممية التي طلبها حمدوك لتعين في عملية التحول الديموقراطي. أيضًا، تكثّف الهجوم الضاري على لجنة إزالة التمكين. وكل تلك الأمور كانت تجري، فيما يبدو بتنسيق تام بين منتمي الحركة الإسلامية من العسكريين الممسكين بالسلطة، والمدنيين من أعضائها، مطلقي السراح الذين لم يبارحوا أصلا مواقعهم القديمة في أجهزة الدولة المختلفة.

أيضا جرى إغلاق طريق بورتسودان الذي هندسته السلطات العسكرية مع الزعيم البجاوي، عضو المؤتمر الوطني الناظر، محمد الأمين ترك. وفي جانب آخر، أوحى العسكر لحلفائهم في اتفاق جوبا الذي جرى فيه جر الحركات المسلحة لتقف في صف العسكريين. ولكي يخلقوا “قوى حرية وتغيير” موازية، أُسميت “قوى الحرية والتغيير التوافق الوطني”. وقد كان الهدف من ذلك الزعم للداخل والخارج أن هناك شارعين، لا شارعا واحدا. وما لبث هذا الشارع المزعوم “المفبرك”، أن قام باعتصام القصر، الذي كانت على رأسه الحركات المسلحة بعون من فلول النظام البائد. جرى تقديم مختلف التسهيلات لذلك الاعتصام من جانب العسكريين. وهتف قادة هذا الشارع الهزيل المصنوع، وهم في ذروة اعتصامهم، مطالبين بانقلاب عسكري صريح، قائلين: “الليلة ما بنرجع إلا البيان يطلع”. وما لبث ان استجاب لهم العسكر، وجرت إذاعة بيان الانقلاب الذي كان أصلا في حالة زحف مستمرة للتحقق، منذ توقيع الوثيقة الدستورية.

هل تعتقد أن انقلاب 25 أكتوبر قد فشل في تحقيق أهدافه؟ وهل قاد هذا الفشل إلى مناورة جديدة؟

نعم على مدى ما يقارب العام فشل الانقلاب فشلا ذريعا في تحقيق أي هدف كان مرجوا له أن يحققه. لم تفلح مجموعة “الحرية والتغيير التوافق الوطني” في تجسيد شارع يقنع الرأي العام الإقليمي والدولي. ولم يستطيع العسكريون تشكيل حكومة. ولربما قصدوا ألا يشكلوها ليخلقوا فراغًا يسبب ضغطًا يجعل الناس تشكيل أي حكومة كانت. لكنهم لم يفلحوا ف ذلك، أيضا. وفي مناورة جديدة للخروج من ذلك المأزق، أوحى عسكر الحركة الإسلامية، الممسكين بالسلطة، إلى عضويتهم، بالتقدم بما سميت “مبادرة أهل السودان”. فتحرك هؤلاء بزعامة الشيخ، الطيب الجد، عضو المؤتمر الوطني المحلول ليقدم المبادرة، التي حيكت لتصب في صالح ما يراه العسكر وفلول النظام البائد. غير أن تأثير مبادرة نداء أهل السودان كان هزيلا جدا وتبخرت على أثر المعارضة الواسعة التي قبلت بها. فانصرف عنها العسكر وطفق أهل المبادرة يشكون لطوب الأرض بعد أن فشل موكبهم الذي سيروه إلى مقر البعثة الأممية في الخرطوم. ثم ما لبثت بعض الحركات المسلحة، المنضوية تحت لواء قوى الحرية والتغيير التوافق الوطني، أن أخذت تتململ وقادها تململها إلى أن تقترب من مسودة الدستور التي اقترحتها اللجنة التسييرية لنقابة المحامين. هنا شعرت جماعة “الوفاق الوطني” أن الأرض قد أخذت تميد تحت أقدامهم وأن العسكريين قد أخذوا ينصرفون عنها. فخرجوا بقيادة جبريل إبراهيم ومبارك أردول بما أسموه “التكتل الديموقراطي” الذي أعلنوا عنه في مؤتمر صحفي حضره السفير المصري. غير أن هذا المولود الجديد، كان خديجا، ولد ميتا.
(يتواصل في الحلقة الثانية والأخيرة)

تعليقات
Loading...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد