د. نور الدين بريمة يكتب: “دنيا دبنقا” قوموا إلى نضالكم وثورتكم!!!

81

تدركون أنّه ومنذ خروج المستعمر التركي ثم الإنجليزي من السودان، تركوا من ورائهم نُخبٌ وثُلّة من المستعمرين الوطنيّين ببزّاتهم المدنيّة والعسكريّة، فظلّوا يتزمجرون ضربًا وتنمّرًا ضد مواطنين مغلوب على أمرهم، سارقين لخيراتهم ومواردهم، ومستأسدين على ضعفائهم.

من المؤكد أنهم بهذا الفعل، أرادوا عدم إستقرار السودان، بإعتباره حديقة مواردهم الخلفيّة، ولساداتهم من القوى الإستعماريّة الخارجية التي أضلتْهم إلى سوء الإستئثار- حدّ الثمالة- حتى أصبحت (كروشهم) مُتخمة، مقابل شعب فقير مُعدم لا يملك قوت يومه، ولا ما يسد رمقه.

وظلّ العسكر ومن سار على دربهم من المدنيّين، يتحكّمون على البلاد- طولها وعرضها- على مدى (٥٥) عامًا ونيّف، وما زالوا يعتقدون في إسْتبدادهم، أنّهم على جادّة الطريق الهادي إلى سواء السبيل، بإعتبارهم أوصياء على الشعب المغلوب على أمره، بزعم أنّهم الأصلح والأنفع على مصالحه.

ودونهم فأضغاث أحلام من الضآلّين، كيف لا وفي ظنّهم أن المواطنين الذين يسِمونهم (بالملكيّة) ما هم إلا (كُهَنْ) لا تصلح إلا لمسح (الجزم والأحذية).. ألم تسمعوا من قبل مثل هذه الكلمات المَمجوجة، عندما ساقوكم إلى معسكرات التدريب العسكري عُنوة واقتدارًا؟، لأنّهم على حدّ جبروتهم وغرورهم، فإن (الكُهنة) لا تدرك كنهها ومنفعتها، ناهيك عن إدراكها لمصالح الوطن.

وبعنجهيّتهم وإستعلائهم هذا، فقد أغرقوا البلاد والعباد، في أتون الحروب والصراعات الأزليّة، وزادوا عُوارها غَوْرًا وعُمقًا، بتلازميّة- ثنائية الجهل والتخلّف- والمؤسف حقًّا أن بعضًا من ذوي الألسن السابلة، يعتقدون أن للعسكر الذين نعتوا أنفسهم- بقوات الشعب المسلحة- لهم فضائل وإنجازات، لكنّا نرى أنهم غير ذلك.

وبرهاننا فيه نقول: إنه ومنذ (إستغلال) السودان بواسطة المُستعمر الوطني، وخروج المُستعمر التركي والبريطاني، وأتباعهما ومن شايعهما من المصريين، وإلى يومنا هذا، فقد أنشأ المستعمر الجديد أكبر إمبراطوريّة عسكريّة وإقتصاديّة، زاوج فيها بين السلطة الدّينيّة والإدارة الأهليّة، للمزيد من السيطرة والإستبداد على الشعب السوداني، لصالح قلّة من النُخب الإنتهازيّة المُتسلّقة.

‏وللذين ما زالوا يظنّون- وإن بعضه عبط- أن العسكر حافظ على وحدة وتماسك البلاد، نحيلهم إلى تاريخه بكل طوائفه ومسمّياته، بدءًا بإبراهيم عبود، الذي حكم لست سنوات، حيث هجّر- خلال توهّطه- أهالي وادي حلفا، وأغرق حضارة عمرها أكثر من (٥) ألف عام، لصالح عسكر مصر.

كما تنازل لمصر عن جزء من حصة السودان في مياه النيل، وكشأن العسكر في وطننا المكلوم عادة، وإحتقاره للمدنيّين (الملكيّة)، (الكُهنْ) قام عبود بالإعتقال والقمع، ولم تسلم حتى رقاب زملائه من الضباط الأحرار من الإعدامات، حيث أزلّهم بنصب المشانق، بدلاً عن رميهم بالرصاص.

أمّا جعفر النميري، فقد حكم ستة عشر عامًا، وقام بدفن النفايات الذريّة في شمال السودان، مثلما هجّر الفلاشة اليهود، كما قام بمجازر في: الجزيرة أبا، ود نوباوي وبيت الضيافة، وأغرق أيضًا السودان في ديون كثيرة، ما زلنا نعاني من آثارها المتلاحقة.

بيْد أنّ الأنْكى والأمرّ والأشدّ إيلامًا، فهي تجربة المشير حسن البشير، التي إمتدّت لثلاثين عامًا ونيّف، حيث شهدت عنفًا ومجازر عديدة، كما دفع في عهده جزء عزيز من البلاد (جنوب السودان) إلى نيله للإستقلال، وفصلوه بعد أن عزّزوا خطاب الكراهيّة والعنصريّة، وقتلوا من أبنائه أكثر من (٢) إثنين مليون، تحت راية الجهاد ونصرة الدين الإسلامي، والنُّصرة منهم بعيدة المنال عمّا كانوا يتوهّمون!.

وما كان ذلك إلا كذبًا وتضليلاً، (هبرُوا) من خلاله الكثير، حيث ما زالت بسبب فصل الجنوب، كثير من أجزاء الوطن تعيش في صراعات وإضّطرابات، فمجازر دارفور وحدها، حصدت أكثر من (٥٠٠) خمسمائة ألف قتيل و(٣) ثلاثة مليون نازح ولاجئ ومشرّد، بجانب المجازر في شرق السودان، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق، ولم تبارح هذه القضايا مكانًا سويًّا عليًّا.

علاوة على بيوت الأشباح- سيّئة الصِّيت والذكر- التي شهدت تعذيبًا وتعدّيًا بشعًا، وإغتيالات، وإعدامات بطرق دخيلة، تنمّ عن التشفّي والغُرور، كذلك غزّوا الإرهاب الدولي، ورعُوا الإرتزاق، وعزلوا السودان عن عالمه الخارجي، وبدّدوا أمواله، ودمّروا مشاريعه ومؤسساته الإنتاجيّة.

مثلما دمّروا كذلك خدماته الضروريّة، من تعليم وصحة ورعاية إجتماعيّة، وأتوا بسياسة العزل والتمكين السياسي، لصالح منظومتهم المتحكّمة، وفتَقوا نسيجه الإجتماعي وحطّموا قيمه الفاضلة، بنشرهم لقيم الأنانيّة والذاتيّة والعنصريّة والجهويّة، وتفريطهم في أرض الوطن، لصالح دول أخري، فتركوا: حلايب وشلاتين للمصريّين، بينما تركوا الفشقة للأحباش.

وبعد أن شهدت الثورة الشعبيّة السودانيّة، حِراكًا مُجتمعيًا واسعًا، أكّدت عبره قدرتها على التضحية والفداء، وإصرارها وعزيمتها لإقتلاع الدكتاتوريّة المُشيريّة البشيريّة وزمرتها، وكاد المجتمع أن يعيش في نعيم السلام والإستقرار، لولا تنمّر البرهان ورهطه من المليشياتيّة والأرزقيّة، على مدى ثلاث سنوات عجاف، بلا رائحة ولا طعم!!!.

مصحوبة بمجازر، أبرزها: السابع عشر من نوفمبر، والثامن من رمضان، وفض إعتصامات القيادة والولايات في أواخر شهر رمضان ٢٠٢١م، والتي إستشهد فيها أكثر من إثنين ألف شهيد، والآلاف من الجرحي والمصابين والمفقودين، كما عرّض البرهان البلاد إلى المرض والجوع والفقر المُمنهج.

وذلك بالوقوف عائقًا أمام عجلة الإنتقال المدنيّ، وذلك بالإنقلاب عليه، وزجّ وزراء الحكومة المدنيّة وساستها في السجون، وما زال بعضهم في غياهب الجُبّ، وإعادة الكيزان إلى مواقع إتخاذ القرار، وإرجاع الأموال التي نهبوها- لهم ثانية- بعد أن قامت لجنة إزالة التمكين بإعادتها إلى حضن الخزينة، وذلك بعد إنقلاب العسكر علي الوثيقة الدستوريّة، في ال ٢٥ من إكتوبر ٢٠٢١م المشؤوم.

والتي إستشهد فيها أكثر من (١٢٠) مائة وعشرين شهيدًا وشهيدة، و(٦) ستة ألف جريح ومصاب، والآلاف من المفقودين من الثائرات والثوار السلميّين، بجانب أكثر من ألف شهيد في: دارفور، النيل الأزرق، جنوب كردفان والشرق، تحت ذرائع الصراعات القبليّة، التي تضرم نيرانها من (الخرطوم) مركز العسكرمليشياتيّة الشُموليّة العُنصريّة.

إذًا بات الإصطفاف والنضال الثوري، ولوازمه من العصيان المدني الشامل، وتسيير المواكب، والتظاهرات والإحتجاجات، وغيرها، صارت مهمّة وضروريّةً، وأصبحت واجبًا وطنيًا، لا نكوص ولا رجوع عنها، بهدف إستعادة الإنتقال المدني الديمقراطي إلى مساره الصحيح.

لأنّ إرادة الشعوب هي الأقوى، والردّة مستحيلة، فموعدنا جميعًا اليوم في مليونيّة ال ٢٥ من إكتوبر، ممّا يتطلب منّا: كنداكات، شفّاتة، ثائرات وثوار بلادي، أن (نبقى كتار) ونكون (درقة) لبعضنا، لإيقاف نزيف الدّم في النيل الأزرق، وغيرها من مناطق الصراعات.

وتلقين الإنقلابيّين المُسْتبدّين درسًا لن ينسوه في الأخلاق الوطنيّة، وإحترام الكرامة الإنسانيّة وسيادة حكم الشعوب، التي لن يقهرها إلا خالق الشعوب، والتأكيد على محاربة خطاب الكراهيّة والعنصريّة، وتعزيز قيم ترابط المجتمع السوداني، بين كافّة تنوعه وإرثه الثقافي، فقوموا إذًا إلى نضالكم وثورتكم يرعاكم الله ويحقق آمالكم وتطلعاتكم!!!.

تعليقات
Loading...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد