ناهد قرناص تكتب: فرحة عابرة

75

ابتسمت تلك الجميلة في وجهه صنعت يومه في تلك اللحظة الفارقة كان يحمل جوالا ضخما من القمامة عابراً الأسفلت حين توقفت سيارتها فجأة محدثة صريراً، التفت ناحيتها فابتسمت معتذرة، لم يسمع ما قالته لأنها لم تنزل زجاج السيارة.
أكمل طريقه نحو سيارة القمامة التي تسد الطريق، ومضت هي في طريقها تلاحقها نظراته وهو يتمتم “يديك العافية”.

ابتسامة الفتاة منحته سعادة كبيرة، فقد كان حتى تلك اللحظة يعتقد أنه من الكائنات غير المنظورة، يمر الناس من حوله دون أن يلقي أحدهم بألا إليه يجمع قمامتهم، يجتهد أن ينظف الأرض، يحاول ألا يترك شيئا خلفه، تجده يلاحق الأوراق الطائرة، قناني المياه الغازية الفارغة بقايا الطعام الفاسدة يرفعها إلى جوف السيارة المتسخة من كثرة ما علق بها أوساخ، أقنع نفسه أنه غير مرئي إذ لا يلقي أحدهم التحية عليه يدندن رفيقه بصوت خفيض (احرموني ولا تحرموني سنة الإسلام السلام).

اليوم علم أن هناك من يراه وينتبه لوجوده، بل ويمنحه ابتسامة ترى ماذا قالت ؟؟ يكاد يقسم أنه رأى فمها يتحرك بكلمات، ربما قالت “شكرا لك” أو “ما قصرت” أو كما تقول له والدته بصوتها الواهن “يخدر ضراعك”.
كل يوم وهو يخرج صباحاً، تودعه كأنه ذاهب إلى مكتب وزارة.
أمه المريضة، ومن غيرها يضطره إلى هذه العمل تحت لهيب الشمس، وسط كل هذه الأوساخ والذباب والحشرات وتجاهل البشر وبعد كل هذا حفنة نقود لا تسمن ولا تغني من جوع.

لولا والدته ربما هرب كما فعل أصدقاؤه، ذهبوا عبر الصحراء محملين بأحلام كثيرة، قالوا إن خلف تلك البلاد جنة ونقود (زي التراب).
ترى ماذا فعلوا؟؟ انقطعت اخبارهم ولم يعد أحدا يسمع عنهم شيئا، يخاف أن يسأل عنهم فتجرفه تلك التي تناديهم من بعيد.

طالما تساءل لماذا يلقون بالكثير من الأكل ؟ أكثره صالح، خاصة بعد وليمة في تلك الأحياء لاتعرف أن كان هناك عرس أو عزاء فقط الكثير من الطعام في رحلته اليومية يلاقي أيضاً الأوراق والكتب آه لو أنه يستطيع القراءة ربما أمكنه حينها أن يحتفظ بمعظمها كم تحسر على تلك الكنوز الملقاة بلا اهتمام.
توقفا للأكل، سارحاً نحو البعيد تراقصت أمام عينيه تلك الجميلة وابتسامتها قال لصديقه (انت يا بخيت حصل قبل كدا يعني يعني جربت البقولوا عليهو دا الريدة دي؟؟).
كان بخيت ينفث دخان سيجارة في الهواء نظر اليه لفترة طويلة ومن ثم انفجر ضاحكا: “أنا من قبيل قلت الزول دا ما براهو، ريدة شنو انت راسك ما حلو ولا شنو؟”.

نظر لمن داخل الدكان، صاح قائلا “بالله يا اسماعيل، زيد موية الجبنة وكتر الشطة، ظبط البوش دا”.
كان المذياع يصدح من بعيد “باب الريدة وانسد”.

تعليقات
Loading...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد