بابكر فيصل يكتب: الإخوان المسلمون: أهل الذمة وعشور الخمر

95

“أهل الذمة” هو مصطلح أطلقه الفقهاء المسلمون على غير المسلمين من أصحاب الديانات الأخرى مثل النصارى واليهود والمجوس والصابئة وغيرهم من الذين يعيشون تحت الحكم الإسلامي، والمقصود بأنهم أهل ذمة هو كونهم قبلوا أن يدفعوا “الجزية” وأصبحوا بالتالي تحت مسؤولية وحماية الدولة الإسلامية.

فقد جرى التقليد الإسلامي أنه كلما فتحت جيوش المسلمين مِصراً من الأمصار خيَّروا أهله بين القتل أو اعتناق الإسلام أو دفع الجزية، وكان المسلمون يصالحون من يختارون البقاء على دينهم ودفع الجزية على ما يأمرهم به دينهم من طقوس ومعتقدات، وما يحله لهم من عادات وتقاليد وأكل وشراب ولباس وغيره.

والعشور هى ضريبة تؤخذ من تجار غير المسلمين “الكفار” إذا دخلوا ببضاعتهم ليتاجروا في بلاد المسلمين، وقد قال الفقهاء بصحة أخذ العشور من التجار غير المسلمين استنادا إلى حديثين رواهما أحمد وأبوداؤود, يشيران إلى أن الرسول الكريم قال (ليس على المسلمين عشور، إنما العشور على اليهود والنصارى).

وقد أورد إبن القيم في كتابه “أحكام أهل الذمة”، في باب ذكر أحكام أهل الذمة في أموالهم، فصلاً بعنوان “هل تؤخذ العشور المضروبة على الذمي من الخمر والخنزير” قال فيه: (واختلفت الرواية عن أحمد في الذمي يمر على العاشر بخمر وخنزير، فقال في موضع: قال عمر: ولوهم بيعها لا يكون إلا على الآخذ منها، يعني: من ثمنها، وقد ذكرنا نصه في الجزية وقول عمر ووافقه على ذلك مسروق والنخعي ومالك وأبوحنيفة ومحمد في الخمر خاصة).

(قال أبو عبيد: ومعنى قول عمر – رضي الله عنه -: “ولُّوهم بيعها، وخذوا أنتم من الثمن”: أن المسلمين كانوا يأخذون من أهل الذمة الخمر والخنازير من جزيتهم، وخراج أرضهم بقيمتها، ثم يتولى المسلمون بيعها، فأنكره عمر، ثم رخص لهم أن يأخذوا من أثمانها، إذا كان أهل الذمة المتولين بيعها).

الكلام أعلاه يوضح أن التجار من أهل الذمة كانوا يبيعون الخمر والخنزير بكميات كبيرة مما استوجب أن يأخذ منهم القائمون على أمر الدولة الإسلامية العشور وفقاً لعقد الذمة المضروب بين الطرفين، وكان جباة العشور يأخذونها منهم في صورة عينية، أي خمور وخنازير، ومن ثم يقومون (أي الجباة) ببيعها وتحصيل أموالها، ولكن الخليفة عمر أنكر عليهم ذلك وسمح لهم بتحصيل المال بعد أن يبيع التجار الخمور والخنازير.

وعندما حكمت جماعة الإخوان المسلمين السودان بالحديد والنار لمدة 30 عاماً حتى سقط نظامها بثورة شعبية في أبريل 2019، قالت إنها حكمَّت شرع الله وأن البلد أصبح قبلة للمسلمين من جميع أنحاء العالم، وكان مما قامت به الجماعة تحريم “التجارة” في الخمر حتى على غير المسلمين، مع الأخذ في الاعتبار أن الأخيرين لم يعودوا أهل ذمة بل أشخاص يتمتعون بالمواطنة الكاملة بحسب دستور البلاد.

ولم تك الخطوة كما رأينا تتوافق مع الممارسة التاريخية للدولة الإسلامية التي رأينا خليفتها الثاني يرخص في أخذ العشور على تجارة الخمر والخنزير، وكان واضحاَ أن الإخوان قد اعتبروا ذلك المنع المؤشر الأهم لنجاح طرحهم في ميدان “الأخلاق والقيم”، غير أن حكمهم الطويل كانت حساسيته شبه معدومة في مواجهة موبقات أخرى أكثر تهديداً للقيم العليا للدين من الخمر مثل السرقة والكذب والرشوة والمحسوبية.

غير أن التاريخ الإسلامي يعلمنا أن موضوع الخمر لم يك يشكل أولوية قصوى ضمن القضايا الكبرى التي جاء بها الإسلام مثل الحرية والمساواة والعدل والكرامة الإنسانية، وهي القضايا التي يفترض أن تمثل جوهر الدين، وليس أدل على ذلك من أن تحريمها على المسلمين لم يتم إلا بعد 16 عاما من مجيء الإسلام (السنة الثالثة بعد غزوة أحد) في أغلب الأقوال أو 21 عاما في بعض الأقوال (عام الفتح).

وكان للفقهاء في موضوع الترخيص “للكفار” بشرب الخمر والمتاجرة فيها آراء عجيبة، ومنها ما قاله بن تيمية في حديثه عن أهمية العقل للمسلمين وعكس ذلك للكفار، يقول (فأما المؤمنون فالصحو خير لهم فإِن السُكر يصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة ويوقع بينهم العداوة والبغضاء وكذلك العقل خير لهم لأنه يزيدهم إيمانا، وأما الكفار فزوال عقل الكافر خير له وللمسلمين، أما له فلأنه لا يصده عن ذكر الله وعن الصلاة، بل يصده عن الكفر والفسق، وأما للمسلمين فلأن السكر يُوقع بينهم العداوة والبغضاء فيكون ذلك خيرا للمؤمنين وليس هذا إباحة للخمر والسكر ولكنه دفع لشر الشرين بأدناهما).

وكذلك تحدث بن تيمية عن ضرورة عدم منع غير المسلمين شرب الخمر، وقال: (ولهذا كنت أأمر أصحابنا أن لا يمنعوا الخمر عن أعداء المسلمين من التتار والكرج ونحوهم، وأقول إذا شربوا لم يصدهم ذلك عن ذكر الله وعن الصلاة بل عن الكفر والفساد في الأرض، ثم إنه يُوقع بينهم العداوة والبغضاء وذلك مصلحة للمسلمين، فصحوهم شر من سكرهم فلا خير في إعانتهم على الصحو).

ومضى أبعد من ذلك مؤكداً استحباب أو وجوب تجنب شر الكفار عن طريق بيع الخمور لهم، وقال (بل قد يستحب أو يجب دفع شر هؤلاء بما يمكن من سكر وغيره). ليس هذا فحسب، بل ذهب بن تيمية إلى استحباب شرب الخمر للفساق الظلمة من المسلمين أنفسهم ذلك أنه (من الفساق الظلمة من إذا صحا كان في صحوه من ترك الواجبات وإعطاء الناس حقوقهم ومن فعل المحرمات والاعتداء في النفوس والأموال ما هو أعظم من سكره).

وقد حكمت جماعة الإخوان السودان لمدة ثلاثة عقود بالظلم والعدوان وسلب حقوق الناس والاعتداء على الأنفس والأموال بغير حق، مما يدخل أصحابها وقادتها في تصنيف شيخ الإسلام “الفساق الظلمة” الذين وجب دفع شرهم بما يمكن من سُكر !
المصدر الحرة

تعليقات
Loading...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد