الإخوان ووهم العودة المستحيلة في السودان

120

الضرب على وتر الخوف على الدين من العلمانيين هو أبرز الأساليب الشعبوية لتضليل البسطاء

من يتأمل في حقيقة المأزق التاريخي للانسداد السياسي في السودان اليوم أثناء المخاض العسير لثورة 19 ديسمبر (كانون الأول) 2019، يدرك تماماً أن العناصر التي تلعب دوراً في إطالة ذلك المأزق عناصر غير سياسية، وإنما هي عناصر ترتبط ارتباطاً عضوياً بذهنية التخلف، فمن حيث القياس العام، لو افترضنا أن التفكير السياسي هو الذي يحكم ذهنية قادة النظام البائد (نظام المؤتمر الوطني)، لكان المتوقع أن يكون في إدراكهم وقناعتهم بعجزهم عن إدارة السلطة السياسية للسودان وفشلهم الذريع (وهم كانوا قد وصولوا إليها عبر انقلاب عسكري في عام 1989) 30 عاماً، ما يكون كافياً وواعظاً لهم في البحث عن الأسباب الحقيقية لعجزهم ذاك وممارسة فضيلة النقد الذاتي لتحسين أدائهم السياسي في المستقبل.

لكننا حين نرى عناصر النظام القديم للمؤتمر الوطني يفتعلون الأزمات ويتحركون اليوم في التظاهرات من أجل وهم العودة المستحيلة إلى السلطة مرةً أخرى، وهم قد عرفوا تماماً أن ما اقتلعهم من مقاعد السلطة هي إرادة الشعب السوداني الذي خرج ثائراً ضدهم بالملايين وأسقط الجنرال عمر البشير رأس نظامهم في يوم 11 أبريل (نيسان) 2019، ثم بعد ذلك كله يحلمون بعودة ثانية بعد 30 سنة من إفساد جهاز الدولة السودانية العام، وتقسيم السودان إلى دولتين وإشعال الحروب الأهلية في أطرافه، فإننا هنا بالضرورة أمام نماذج من البشر يستعصى فعلها ذاك عن أي توصيف يدرجه في سوية عقلانية أو أخلاقية، سوى أنه فعل متخلف.

بطبيعة الحال، فإن هذا الفعل المتخلف الذي يعبر به الإخوان المسلمون عن سردية العودة المستحيلة إلى السلطة، مرة أخرى، لا يمكن تجريده من طرق للتفكير والتخطيط، لكنها طرق خبيثة في التكتيك، فهي طرق لا تدرك أبداً أن سعيها ذاك فاسد وسيحيق به الخراب لا محالة، ولكنها تدرك تماماً أن لديها تكتيكات مجربة في استغلال مناخ التخلف الذي هو الحاضن الحقيقي لانتشار سرديتها في مجتمع حكمته هذه الجماعة 30 عاماً، وأدركت تماماً مفاتيح استغلال ذهنية التخلف فيه.

تكتيكات خادعة

من أهم الأساليب الشعبوية التي يستخدمها الإخوان في خداع البسطاء، تضليلهم برفع الشعارات العامة وتخويفهم بما يخافون منه حقاً، وذلك بالضرب على وتر الخوف على الدين من العلمانيين الذين لن يطبقوا الشريعة الإسلامية، وهكذا سنجد أن هذا الخطاب ذا العمومية الغامضة من شأنه أن يغيب الحقائق الصلبة لفسادهم التي سيتناساها البسطاء متى ما سبق إلى وهمهم أن الدين في خطر، لأن طريقة تجريد المعاني في شعارات كبرى تضخ في عقول البسطاء ترميزاً مضللاً لجوهر الحقيقة، ومن هنا كذلك سيتفرع الإخوان في تلوين تكتيكاتهم بوصف “قوى الحرية والتغيير” التي فوضها الشعب بعد انتصار الثورة، بأنها قوى علمانية ستجلب لهم اتفاقيات معيبة ضد شرف المرأة وعفافها ويضربون بذلك مثلاً لاتفاقية “سيداو” في الأمم المتحدة، دون الحديث عن أية تفصيل أو تدقيق، لأن في ذلك التعميم فرصتهم النادرة لسوق عوام الناس بالشعارات، فيما يصفون الرئيس السابق عبدالله حمدوك بالعميل الذي رهن مصير البلاد لاتفاقيات الأمم المتحدة وبنودها المخالفة للشريعة (كما لو أن السودان دولة غير عضو في الأمم المتحدة).

إن إعادة توظيف وتسويق الدفاع عن القيم والدين في سياق سياسي سلطوي كما يفعل جماعة الإخوان في السودان، أصبح غير مجد تماماً مع الشعب السوداني الذي خبر من خداع الجماعة وجرائمها باسم الدين، ما سمم حياته 30 عاماً فأصبح هو الشعب الوحيد في المنطقة الذي شهد تجريباً كارثياً للجريمة الكاملة لمنهج الإخوان، مما منحه حصانة طبيعية ضد ذلك الخداع.

وهكذا حين نتأمل في شعارات الإخوان التي تحدثوا عنها أثناء تظاهرتهم يوم السبت 29 أكتوبر (تشرين الأول)، سنجد أنهم ركزوا على استثارة الشعور القومي للسودانيين ضاربين على وتر الحساسية الوطنية من التدخل الأجنبي، واصفين البعثة المتكاملة للأمم المتحدة بأنها تنتهك سيادة البلاد، وتفرض وصايتها على السودانيين، مستعيدين بعض المناسبات التاريخية وبطولاتها مثل الثورة المهدية التي أخرجت المستعمر التركي من البلاد، وهكذا بالضرب على مثل هذه الشعارات العمومية يستفزون مشاعر قلة قليلة من البسطاء الذين في العادة لن يجدوا من يذكرهم بحقائق صلبة كانت بمثابة أدلة دامغة لتفريط الإخوان في وحدة البلاد أثناء حكمهم، وذلك مثلاً حين ساومت حكومة المؤتمر الوطني بقيادة البشير الغرب وقبلت بفصل جزء عزيز من الوطن (جنوب السودان) مقابل أن ترفع عنها العقوبات الاقتصادية التي دمرت المشاريع القومية الكبرى في السودان منذ عام 1997، وكذلك مقابل رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، لكن الغرب خدعهم.

كما أن الإخوان هم أول من تسببوا أثناء حكمهم في جلب قوات الأمم المتحدة وانتهاك سيادة البلاد إثر الحرب الأهلية التي أشعلوها في دارفور منذ عام 2003، ثم قبلوا بعد ذلك بتدخل القوات الأممية الأفريقية.

أجيال واعية

ما لم يدركه الإخوان وهم يمارسون هذه التكتيكات الغبية، مرةً بعد أخرى، هو أن الشعب السوداني وهذا الجيل الجديد من الشباب على نحو خاص، جيل مدرك تماماً إلى درجة اليقين بأن نظام المؤتمر الوطني الذي سطا على الحكم عبر انقلاب عسكري مشؤوم في عام 1989، هو النظام الذي سمم حياتهم كسودانيين ودمر مجتمعهم وهويتهم الوطنية وحولهم من شعب واحد إلى قبائل متناحرة، وأوصلهم إلى درجات غير مسبوقة أبداً من الفقر والبؤس والخراب والفساد، بحيث أصبح مطلق العيش في السودان اليوم ضرباً من المستحيل.

فعامة الناس من الشعب السوداني، وإن لم يدركوا بطريقة ما كنه الأساليب الخبيثة للإخوان في تسويق لعبة الشعارات، إلا أن ما يدركونه تماماً هو أن حكم الجماعة لا خير فيه، بل هو مجلبة للشر، وأنه كشعب سوداني مصمم بكل ما أوتي من قوة على ألا يحكمه الإخوان مرةً أخرى بعد 30 عاماً من تخريبهم السرطاني للدولة.

وهكذا سنجد أن هذا الامتناع الذي أصبح اليوم غير قابل للعقلنة السياسية في ما نراه من إصرار الإخوان على العودة إلى الحكم تحت شعارات يضللون بها البسطاء، هو أمر يقيم في أصل التخلف ويدل على أن التفكير السياسي كما كان غائباً عن الجماعة أثناء حكمها طوال 30 سنة، فهو اليوم كذلك الغائب الأكبر خلال سعيهم المستحيل لاستعادة سلطتهم السياسية المقبورة.

وإذا أردنا كشف تناقضاتهم التي يجعلون منهاً مسكوتاً عنه، ويسترونها (وهي مكشوفة لكل ذي عقل) سنجد مثلاً أنهم هم الذين حرضوا قائد الجيش عبد الفتاح البرهان العام الماضي ودعموه لكي ينقلب على المرحلة الانتقالية في 25 أكتوبر 2021، بغض الطرف عن الاتفاق الإطاري الذي وقعه البرهان ذاته آنذاك مع حركة عبدالعزيز الحلو قائد حركة تحرير السودان – شمال، وكان يقرر بصريح العبارة أن السودان دولة علمانية، لكنهم صمتوا إيثاراً لطلب الحكم وأملاً في أن يعيدهم البرهان إلى السلطة.

تناقضات الإخوان

هناك نماذج كثيرة لتناقضات شعارات الإخوان، الدالة على نمط تفكيرهم المتخلف، ناهيك بفساد منهجهم الذين يدعون أنه منهج إسلامي، حيث إن تحريفهم لمفاهيم الإسلام كـ”الشريعة” و”الخلافة” و”الدعوة” و”الجهاد” و”التكفير” عن معانيها الشرعية الصحيحة والمنضبطة في الفقه، هو أصل البلاء الذي كشف عن حبهم للسلطة وتحريفهم للدين، لهذا كانت سنوات حكمهم هي أكبر نموذج لأسوأ حكم للفساد والقمع والتخريب مر على تاريخ السوان المعاصر.

يمكننا اليوم أن نفهم هذا المأزق الانسدادي للسياسة في السودان اليوم، بوصفه نتيجة للتخريب العام الذي أفسد به نظام الإخوان البنية السياسية لجهاز الدولة العام وسرطنه تماماً إلى درجة انعكس فيها خراب 30 سنة على أداء حتى الأحزاب (قوى الحرية والتغيير) التي فوضها الشعب غداة انتصار الثورة، كما فهمنا تماماً استحالة عودة الإخوان للسلطة مرةً أخرى.

لكن الغريب حقاً، والذي لم نفهمه بعد، هو موقف المكون العسكري الحاكم بأمر الانقلاب من مثل التهديدات والوعيد في خطاب الإخوان عبر تجمعاتهم، لأن في صمت المكون العسكري الحاكم عن الممارسات التهديدية الواضحة من طرف أنصار المؤتمر الوطني بتفجير الأوضاع حال أي تسوية سياسية، سيدل على إرادة خبيثة لاستدامة المأزق ودفع الأمور باتجاه الفوضى. فاليوم بعد أن سلم المكون العسكري باستحالة حكم السودان عبر انقلاب عسكري، واعترف البرهان اعترافاً عاماً بالقبول والتفاوض مع تحالف قوى الحرية والتغيير “المجلس المركزي”، ما الذي يمنعه من مواجهة من يتسببون في الفوضى ويهددون بالوعيد والخراب، أمام الملأ؟ بخاصة بعد الهجوم العنيف الذي مارسه أنصار النظام البائد بمحاولاتهم الدخول عنوةً، الثلاثاء، إلى دار المحامين ومحاولة احتلالها، واشتباكهم مع محامي اللجنة التسييرية لنقابة المحامين (وهي اللجنة التي قامت بوضع مسودة مقترح الدستور الانتقالي الذي لقي قبولاً من قوى سياسية كثيرة ووافق عليه المكون العسكري بصورة عامة) وإلقاء بعض قنابل الغاز المسيلة للدموع عبر سيارات جاءت معهم إلى موقع نقابة المحامين.

نعتقد أن أية جدية حقيقية من طرف المكون العسكري للقبول بتسوية تخرج البلاد من حافة الهاوية التي أصبحت عليها بسبب انقلاب 25 أكتوبر 2021، لا بد أن تترجم في أفعال وممارسات تحفظ الأمن وتطال كل من يهددون بالعنف، وبطريقة استباقية، لأن ترك الحال على ما هي عليه سيجر البلاد إلى اهتزازات فوضوية قد تضع السودان أمام حرب أهلية لن ينجو منها أحد.

يدرك الإخوان أن الثورة السودانية التي أسقطت نظامهم العتيد كانت وسيلتها الفعالة هي السلمية، واليوم فيما هم يتوهمون إمكانية عودتهم للسلطة يستخدمون وسائل العنف اللفظي والحركي ضد قوى الثورة، أملاً في جر الثوار للدخول معهم في مربعات العنف المهلكة، لكن على قوى الثورة أن تدرك أن تلك المحاولات البائسة من طرف الإخوان هي فقط تعبير عن صرخات العاجزين، فإذا كان نظام الإخوان قد عجز حتى في ذروة عنفوانه عن هزيمة هذه الثورة التي هزمته وأسقطت رأسه في 11 أبريل 2019 فقط بسلميتها وإصراراها، فإنه اليوم وهو أضعف من أن يكون ذا قوة، لا ينبغي أن يكون سبباً في جر القوى الثورية إلى عنف غير محمود العواقب.

محمد جميل أحمد – اندبندنت عربية

تعليقات
Loading...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد