الصراع القبلي في السودان.. إلى متى؟

81

في الآونة الأخيرة، اتخذت النزاعات القبلية في السودان منحى عنيفا أدى إلى سقوط مئات القتلى شرق وغرب وجنوب البلاد.

وساهم في ذلك وفرة السلاح لدى القبائل بشكل واضح مقارنة بما كانت عليه ظروف الصراع القبلي في السنوات السابقة.

وينقسم السودان إلى 18 ولاية، تنتشر فيها مئات القبائل والمجموعات العرقية التي تتحدث لغات عدة تتفرع منها مئات اللهجات المحلية، بينما تسيطر العربية بوصفها لغة أولى في البلاد.

ويتزامن ارتفاع العنف القبلي مع فترة الحكم الانتقالي في البلاد، متخذا بعدا جديدا يتجاوز الصراع على الموارد، إلى نزاع حول الهوية بين أصحاب الأرض الأصليين وآخرين وافدين.

وبدأت بالسودان في 21 أغسطس/ آب 2019، مرحلة انتقالية تنتهي بإجراء انتخابات مطلع 2024، يتقاسم خلالها السلطة كل من الجيش وقوى مدنية وحركات مسلحة وقعت مع الحكومة اتفاق سلام عام 2020.

ويرجع محللون ازدياد العنف القبلي في فترة ما بعد الثورات إلى الصراع على السلطة بين المكونات المجتمعية في البلاد، إضافة إلى العامل السياسي الذي أدى إلى تأجيج الصراع القبلي باعتبار تداخل الثروة والسلطة فيه.

وفي 24 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أعلنت الأمم المتحدة وجود تقارير تفيد بمقتل 250 شخصا، وإصابة 572 آخرين، ونزوح الآلاف، جراء اقتتال قبلي في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي السودان، منذ الـ13 من الشهر ذاته.

وفي ولاية غرب كردفان (جنوب)، أدى الاقتتال القبلي منتصف أكتوبر الماضي، إلى سقوط 12 قتيلا وإصابة 20 آخرين، بحسب آخر الإحصائيات الأممية.

وقالت الأمم المتحدة في 8 أغسطس الماضي، إن الصراع القبلي في ولايات سودانية خلف 322 قتيلا و329 مصابا، إلى جانب نزوح أكثر من 163 ألفا بين يناير/ كانون الثاني ويوليو/ تموز 2022.

تدخل سياسي
يرى المحلل السياسي خالد الفكي، أن المشكلة “تعود إلى الصراع على الموارد بين الرعاة والمزارعين، وهي مشكلات قبلية تتفرع إلى أخرى اجتماعية أمنية، وتدخل السياسة العميقة بين القبائل، وكل قوى سياسية أو جهة تحاول التكسّب من الصراع”.

وقال في حديث للأناضول: “من أجل الحل، لا بد من إصدار تشريعات تتعلق بالفيدرالية والحكم اللامركزي والإدارات الأهلية”.

وأضاف أن “الصراع الأمني الإثني يبدو أنه مهدد استراتيجي تستفيد منه جهات ودول ومخابرات، سواء في ولايات النيل الأزرق أو دارفور أو الشرق أو كردفان”.

وأشار الفكي إلى أن “خطاب الكراهية بدأ الصعود بصورة لافتة للنظر، وهو ضد الأمن والسلام والاستقرار، ولا بد من خطاب إعلامي يدعو إلى السلام وتكوين دولة المواطنة والحقوق والحريات والأمن والسلام”.

وأردف أنه “على الدولة تحمّل مسؤولياتها ونشر الأجهزة الأمنية والعسكرية والفصل بين الأطراف المتصارعة، وإجلاء الجرحى وفتح لجان حول القتلى وتقديم المتورطين إلى محاكم فورية وعادلة”.

ظاهرة مفتعلة
من جانبه، اعتبر الباحث والمحلل السياسي ناصف بشير الأمين، أن ظاهرة العنف القبلي التي توسعت في الآونة الأخيرة هي “بفعل فاعل معروف وهو بقايا النظام السابق، الذي لم يسقط بالكامل، خاصة في الأجهزة الأمنية”.

وأضاف الأمين أنه “لفهم أسباب ومحركات الاقتتال الأهلي الذي تصاعد مؤخرا في أنحاء السودان، يحب أن ننظر إلى ماذا فعل الانقلاب بعد 25 أكتوبر 2021”.

وفي هذا المجال لفت إلى أن “الانقلاب عمل على إعادة عناصر النظام السابق (نظام الرئيس عمر البشير 1989-2019)، خاصة في القضاء والنيابة العامة والأجهزة الأمنية”.

وتابع: “يراهن أعضاء المؤتمر الوطني (حزب البشير) على الزعامات القبلية والدينية للعودة إلى السلطة، بعد أن لفظهم الشعب السوداني، لذلك هي تشعل أوار الصراعات القبلية بفرضية فرّق تسُد”.

وأشار الأمين إلى أن “الغرض من إثارة الفتن القبلية وتوسيع نطاقها هو تخويف الشعب بأنهم قادرون على زعزعة الأمن، وجعل ذلك ذريعة لوجود العسكر في السلطة لأنهم يستطيعون فرض الأمن بالقوة”.

وأكمل أن “الفوضى الأمنية واقتتال الأهالي يمكن وضع حد لهما من خلال تحقيق مطالب الثورة السودانية بالحرية والسلام والأمن، وهيكلة وإصلاح القطاع الأمني بالكامل، وحصر السلاح لدى جيش واحد”.

غياب الاستقرار السياسي
بدوره، يرى الباحث بمركز الخاتم عدلان للاستنارة أبو هريرة عبد الرحمن، أن “جذور الصراعات القبلية في السودان تعود إلى عدة عوامل تاريخية واقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية متداخلة، أولها العنصرية الثقافية”.

وقال: “تعد العنصرية الثقافية محدّدا لمكانة الجماعة على حساب الجماعات الأخرى، وهو ما أنتج عنصريةً سياسيةً، تحتكر من خلالها المناصب”.

وزاد: “ربما يفسّر هذا المدخل مشاهد العنف التي تتّخذ بُعدا قبليا وجهويا يتم فيه توظيف القبيلة التي تقسم مكوّناتها إلى محلية ووافدة، وعربية وإفريقية، وما يسبّبه ذلك من صراعات وتفسّخ اجتماعي، في ظل غياب هوية وطنية جامعة تسهم في إدارة التنوع الثقافي والديني والعرقي”.

وأوضح عبد الرحمن أن “العامل الثاني في الصراع القبلي يتمثل في صراع على الموارد والنفوذ في ظل ميراث طويل من التهميش”، مضيفا أنه “في عهد البشير جرى تحويل القبيلة إلى ما يشبه الوحدات السياسية المقربة أو الشريكة في حزب المؤتمر الوطني”.

وتابع أنه “عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021، استدعى الانقلابيون أصوات المكونات القبلية والجهوية والعشائرية لشرعنة ودعم الانقلاب، عبر دعم تحركاتها بوصفهما إطارين منافسين لمواجهة قوى الحرية والتغيير، وللتكوينات المدنية الأخرى المناهضة للانقلاب”.

وأشار عبد الرحمن إلى عامل مهم آخر في النزاع القبلي هو “ضعف أجهزة الدولة ومؤسسات الخدمة المدنية، مع العجز عن إصلاح أجهزة الدولة بما فيها أجهزة الأمن وإنفاذ القانون”.

واعتبر أن “غياب الاستقرار السياسي، وتفاقم الصراع من أجل السلطة، والقصور العام في أداء الدولة، وعدم كفاءة النسق السياسي في الضبط وتحقيق الرضا، عوامل سمحت بتمدّد العنف القبلي الذي يتمظهر أحيانا في شكل تحركات جهوية وقبلية”.

“مشروع وطني”
وأكد عبد الرحمن أن “الحلول تكمن في إيجاد مشروع وطني تنموي، أساسُه المساواة والمواطنة الكاملة، وإصلاح هياكل الدولة والخدمة المدنية وأجهزة حكم القانون، حتى تكون ذات فعالية ومصداقية”.

وشدد على ضرورة “اتفاق الفاعلين في البلاد على قيم ومبادئ متوافق عليها، تشمل عدم الزج بالقبائل في صراعات السلطة والسياسية، وجمع السلاح من أيدي المواطنين والقبائل وحصره بيد الدولة فقط، مع دمج كل القوات المسلحة في قوة نظامية موحّدة، وإجراء إصلاح حقيقي لمنظومة الأمن في البلاد”.

ولفت عبد الرحمن إلى أهمية “تنفيذ إجراءات تحد من التمييز والتهميش، وتعمل على إحداث تنمية يمكنها مستقبلا الحد من الصراع على الموارد في الجهات والأقاليم”.

وفي مايو/ أيار 2020، أعلنت السلطات تخصيص قوة مشتركة لجمع السلاح في جميع الولايات الـ18، مكوّنة من الشرطة والجيش وقوات الدعم السريع والمخابرات.

ولا توجد تقديرات رسمية لحجم السلاح المنتشر بأيدي القبائل في دارفور وكردفان، فيما تذكر تقارير أن مئات الآلاف من القطع تملكها القبائل، منها أسلحة ثقيلة.

(الأناضول)

تعليقات
Loading...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد