مؤانسة مع د. فرانسيس دينق حول الهوية والعنصرية والاثنية

224

أحمد يعقوب

في يوم صحو ومشمس من بدايات العام 2020 ونهايات يناير التقيت بالبروفسور فرانسيس دينق حين نهار قائظ بمدينة جوبا.
وحين مقابلتي له كنت قد قرأت له ؛ دينامية الهوية أسس التكامل الوطني في السودان ومؤلفه الذائع الصيت صراع الرؤى نزاع الهويات في السودان، بالاضافة لروايته طائر الشوم والتي يمكن وصفها بكتاب في السياسة وليس في الأدب. وقد تطرقنا لهذا الأمر وتقبل نقدي بصدر رحب، وقد كنت مهتماً بالتحاور معه حول قضايا الهوية التي لا يزال غبارها عالقاً في انحاء مسرحنا السياسي والثقافي والفكري والاقتصادي،وقد عجزت النخب عن ايجاد شخصية للبلاد بها يعرفنا الآخر وبه نتعرّف على ذواتنا ،الأمر الذي جعل الجنوب يذهب جنوبا وستلحق به مناطق أخرى في وقت يتصارع فيه السياسيين على متخيلات واوهام تاركين القضايا الرئيسية لحين!.
جزء من محاور حديثنا والذي امتد لساعات ثلاث ونيف كانت حول قضايا الهوية والنزعات العنصرية في السودان( جنوبا وشمالا) وكيف يمكن لهذه المجتمعات ان تطور قواسم أو صيغ مشتركة للعيش معاً،فمن مصلحة الاوطان ان تطور وعيا جمعيا يوحدها ويوحد مصالحها وهو ما يقتضي بتطوير شخصية جماعية ولكن تتميز فيها الانا والآخر تمايزاً ايجابيا يصب في الهوية الجمعية للشعوب.ولأن الذاكرة؛ذاكرة خؤون، فقد سقط جزء من ما ناقشناه.

تذكرت هذا اللقاء ؛ في وقت تشهد فيه بلادنا انقسام اجتماعي وسياسي حاد ،وفي وقت تنامى فيه خطاب العنصرية والكراهية بين المجتمعات مخلفا كواراث وفظائع.

ربما يرى البعض أن سؤال الهوية سؤال غير حقيقي، أو ربما زائف، يشكل قناعا يخفي حقيقة الصراع الطبقي. كما يرى أخرون أن صراع الهويات هو صراع ثانوي أو كتمظهر للصراع الحقيقي الذي يدور حول الموارد. ولكن آخرون يرون أن سؤال الهوية سؤال حقيقي وأساسي في الصراع الدائر في السودان لأسباب متعلقة بالظروف التاريخية لنشأة وتطور الدولة السودانية.
ومهما يكن من أمر، فإن هناك أيدلوجيا رسمية تعمل علي تكريس هوية بعينها، تتباهى بها، وتحاول أن تجعل الأخرين يتبنونها، ومن يعارضها يُقابًل بكافة أشكال العنف المادي والمعنوي.
اذاً كيف تتبدى القضية وجوهرها؟
ولأن قضية الهوية من القضايا الملتبسة التي تأخذ معاني مختلفة عند الناس، فعند التفكير في، أو الكتابة عن، قضايا الهوية في السودان هناك سمة لأبد من وضعها في الحسبان، ألا وهي مسألة المساواة الإجتماعية (Social Equality) في البنية الإجتماعية (social Structure) المحددة هو سياق القضية، فمسألة الهوية ليست قضية ذاتية فحسب.
أما جوهر القضية فيكمن في دور الهوية في تشكيل عدم المساواة الهيكلية (Structural Inequality). حيث أن مسألة عدم المساواة القائمة علي الفروقات الفردية مسألة عادية تكون موجودة بين الناس وهي ليست مناط الجدل حول قضايا الهوية التي نحن بصددها؛ ، ولكن نبحث عن الفروقات او المحددات البنيوية (Structural Barriers) مثل المحددات الطبقية أو المحددات الثقافية (cultural Barriers) أو المحددات الجهوية أو الدينية، إلخ، والتي تؤدي الي أن يُمنع بعض الناس من الوصول الي السلطة ومواقع صنع القرار في الدولة كما تمنعهم من حيازة الثروة، وتكون في نفس الوقت إمتيازات تساعد بعض الناس لحيازة السلطة والثروة وقد تطرق البروف لهذا الأمر.
تشكلت الإستقطابات الأيديولوجية في السودان على الأسلمة والإستعراب من جانب، ثم الأفرقة من الطرف الآخر، تتوسطها دعاوى التوازن القومي والثقافي.

اعتمدت أيديولوجيا الأسلمة والإستعراب على الإستيعاب، والذي يقوم بدوره على ميكانيزمات إعادة إنتاج الهوامش والأطراف في المركز. وقد استصحبت هذه العملية معها كل جراحات ومرارات القهر والاضطهاد التي بلغت قمتها في مؤسسة الرق.

واليوم لا يجوز التعجب والإستغراب من أن هذه المؤسسة لا تزال ناشطة فعليا، ذلك لأن الرق والتمييز العرقي لم يفارقا وجدان الثقافة الإسلاموعربية في المركز حتى الآن ولكن بشكل موارب . فليس أسهل من أن يدمغ السوداني (كذا) بأنه عبد لمجرد سواد لونه، وهل يكون السودانيُّ غير أسود؟.

من الجانب الآخر تعتمد أيديولوجيا الأفرقة على الجهوية والنّزوع نحو الإنفصالية. وهي في ذلك تصدر من إحساس متنامٍ بأنه لا حظَّ ولا حق لها في هذه البلاد. وبما أن تيارات الجهوية الإنفصالية قد ظهرت بوادرها في الجنوب، وجبال النوبة، وغربا بدارفور، ثم شرقا بين البجا، (الآن بدأت الدائرة تكتمل باشتداد وتائر الحراك الإثني بين النوبيين في الشمال) لذلك لا نحتاج إلى ذكر أن هذه الأقوام ذات حق أصيل في البلاد، . لهذا يمكن أن ننظر إلى النزوع نحو الإنفصال على أنه شكل من أشكال اليأس من جدوى النضال نحو وضع قومي متوازن.
اقول للبروف فرانسيس ،ألم يكن اليأس هو الوقود الذي حرك الجنوب نحو الانفصال خارج دائرة نظرية المؤامرة والتدخلات الخارجية…الخ. اليأس من ايجاد وضع قومي يحترم التعدد والتنوع.
يبدو من الضروري قيام دولة مؤسسات وفق ديمقراطية تعددية تستند أساسا على واقع التعدد الثقافي، على أن يبدأ هذا المشروع بالخطوات التنفيذية لإيقاف سياسة الأحادية الثقافية التي تمارسها مؤسسة الدولة في السودان منذ الإستقلال مرورا بجميع الأنظمة والحكومات. إن الرأي (الأيديولوجي) يستند في تأسيساته على أن مؤسسة الدولة مسئولة عن تحريك ماكينة القهر والإضطهاد الثقافي جراء عدم اعترافها بمسئولياتها تجاه الثقافات غير العربية في السودان. إن هذا الأمر يقتضي مراجعة التعليم لغة ومضمونا، كذلك النشاط الثقافي والفكري، فضلا عن الإعلام، وما يتبع كل ذلك من سياسات إقتصادية وقومية …إلخ.

يجب ألا نخلط بين التعددية الثقافية ومجرد الإعتراف بوجود مجتمع متعدد الثقافات. لقد وُجدت، دائماً، مجتمعات متعددة الثقافات، ويمكن، من وجهة نظر ما، أن نؤكد عملياً أن كل الدول – الأمم، سواء إعترفت بذلك أو لم تعترف، هي مجتمعات ذات تعدد ثقافي، بفعل تنوع المجموعات والسكان المكوّنين لها. في كبري العواصم المعاصرة يمتد، عملياً، مشهد التنوع الثقافي أمام الناظرين في كل مكان وآن. إن “الإثني يومي”، حسب عبارة آن رولان (Anne Raulin) الموفقة. وليست الإحالة علي التعددية الثقافية إقتصاراً علي تسجيل هذه المعاينة. إنها مطالبة بإعتراف سياسي رسمي بالتعدد الثقافي وبمعاملة يومية عادلة لكل الجماعات الثقافية وتتعارض التعددية، إذاً، ومطلقاً، مع الإستيعابية التي تحصر التعبير عن الإختلافات الثقافية في الدائرة الخاصة فقط.

التحشيد والتجييش القبلي الذي نراه اليوم في الأطراف هو نزاع هوياتي دون أدنى شك. فالبلاد غارقة في الانقسامات ؛ لان الدولة تتبدى في وعي كل مجتمعاتنا كغنيمة يجب ان يتم الفوز بها . فنحن نعيش اليوم في فضاء متوتر جداً مع تزايد القلق؛ وتصاعد الاحتجاجات المطلبية؛وحالة الّلاأمن التي تعيشها المجتمعات والتي بدأت في ترتيب صفوفها في مواجهة الدولة ( المتخيّلة) واقول دولة متخيّلة ؛ حيث أن هشاشة النّظم والتنظيمات السياسية وغياب البناء الفكري للتنظيمات التي تتعاطى السياسة، أفرز واقعاً جعل تنظيمات ماقبل الدولة(القبيلة) تلعب دوراً مؤثراً في صياغة وتشكيل وصناعة القرار.

كنت قد طرحت اثناء الحوار؛ مسألة المركزية الإثنية والنسبية الثقافية مستنداً في ذلك على اطروحات عالم الإجتماع الأمريكي وليام. ج. سامر لقد حدث إنزلاق في معني “المركزية الإثنية” عندما سقطت الكلمة التي ظلت طويلاً غير مستخدمة إلا في العلوم الإجتماعية، في الإستعمال العامي. لقد صارت، أكثر فأكثر، عبر الإستعمال المتعسف، مرادفاً “للعنصرية” عندها أُدينت المركزية الإثنية بالشدة نفسها التي أدينت بها العنصرية.
فالعنصرية في طبيعة الحال هي أيديولوجيا أكثر من كونها موقف، إنها أيديولوجيا تنبني علي إفتراضات مسبقة تزعم العلمية ويمكن تحديدها تاريخياً، وهي أبعد عن أن تكون كونية، علي عكس المركزية الإثنية التي نجدها في المجتمعات المسماة “بدائية” التي تعتبر في العادة، جيرانها في مرتبة دونية في الإنسانية، كما نجدها في المجتمعات الأكثر “حداثة” والتي تعتقد أنها “الأكثر تحضراً.” وإذا كانت العنصرية شكلاً من الإنحراف الإجتماعي فإن المركزية الإثنية، مفهومة في المعني الأصلي للمفهوم، بأنها ظاهرة إعتيادية من منظور علم الإجتماع، مثلما يفسر ذلك بيار جان سيمون:
“يجب إعتبار المركزية الإثنية إعتباراً يري فيها ظاهرة إعتيادية تماماً، تكوَّن، في الواقع، كلَّ جماعة إثنية، كما تؤمِّن وظيفةً إيجابية في حفظ وجودها ذاته، مُكونةً ما يشبه آلية دفاع من داخل المجموعة تجاه الخارج. بهذا المعني، تكون درجة معينة من المركزية الإثنية ضرورية لبقاء كل جماعة إثنية، إذ يبدو أنها تتعرض الي التفكيك والإنتقاء إذا فقدت الشعور الواسع الإشتراك بين الأفراد الذين يكونونها بالتميُّز والتفوق، علي الأقل في ما يخص بعض جوانب لغتها وطرائِق عيشها وشعورها وتفكيرها وقيمها ودينها. إن فقدان أية مركزية إثنية يُفضي الي الإستيعاب، عبر تبني اللغة والثقافة والقيم التي لجماعة أخري تُعتبر أرقي.”

يتبع……….

تعليقات
Loading...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد