ودعكر فخر الوطن .. تفاصيل الرحلة الأخيرة

65

تقرير : نجم الدين السكينابي

سافر دون عودة وكانت رحلته الأخيرة ، وودع جسده النحيل أرض الوطن الذي أحبه وضحى من أجله ، ليلتحق بروحه التي فارقت ذلك الجسد منذ شهرين ،إنه لشرفٌ له بأن جثمانه تم تكفينه في أرض الصمود إعتصام مشرحة مستشفى التميُّز، وتم تشيعه يوم الأربعاء السادس والعشرون من مايو، الساعة الرابعة عصراً، ومر جسده بمواقع لها وقع خاص في حياته، بشارع الستين حيث كان إعتصام الشهيد مدثر مختار وردالتحية لأم الشهيد مدثر وليسألها إن كانت تود وصية لإبنها الشهيد لأنه ذاهب له ، حتماً أم الشهيد ستقول له ( قوليهو يا ولدي عافيه منك وراضيه عنك) بعدها تحرك جسده بسرعة متوجهاً نحو تقاطع الستين مع بُري وأنتظر المواكب القادمة من هناك لتُشاركه فرحة الشهادة ،ثم حلق ذلك الجسد النحيل فوق كبري الجريف شرق وفي تلك اللحظة توقف فترة من الزمن في مدخل الكبري، كي يسترجع أجمل لحظات عمره في هذا المكان ويعيش أيام إعتصام كبري الجريف شرق وترس الكبري الذي كان مسؤولاً عنه وقضى ساعات الصمود في هذا الإعتصام من أجل حق رفيقيه الشهيد ( التوني) وشهيد القرآن عثمان عبدالوهاب ، وعندما وصل جسده مثلث الجريف شرق وهنا تحديداً اشتم رائحة البمبان بقوه لأنه مكان معهود له من قبل، وأنتظر قليلاً حتى تأتي مواكب الحاج يوسف وشرق النيل لتُشاركه عُرسه، وريثما يأتون تجول في ساحة المثلث ليرى موضع استشهاد الشهيد التوني وموضع استشهاد طالب القرآن عثمان عبدالوهاب وأسترح في خيمة الإعتصام الموضوعة في منتصف المثلث والمكتوب عليها إعتصام كبري الجريف شرق ،بعد وصول مواكب الحاج يوسف وشرق النيل، تحرك جسده نحو الجريف شرق التي عاش بها أجمل أيام عمره، ومر بشارع النص حتى أُلقي النظرة الأخيرة لدار لجان المقاومة التي كان يخطط فيها وويرسم فيها الأحلام والآمال والطموح مع رفقائه في لجان مقاومة الجريف شرق ، وطل على منزل الشهيد التوني كي يحمل بعض الوصايا والشوق من أبيه ُليسلمها له، بعدها مر جسده بمصدر رزقه الوحيد ( صالون الحلاقة) الذي كان يتحصل منه على المال الحلال حتى يساعد أمه واخواته، ونظر إليه نظرة مُودّع وهو متأكد أنَّ كل أدوات الحلاقة الخاصة به موضوعة ومرتبه جيداً في مكانها ، وبنظرة لحائط الصالون وجدنا كتابات وشخبطات تُدل على إنه أحب تراب هذا الوطن ، ووصل الجسد النحيل إلي منزله لنظرة الوداع من الأم التي تفطر قلبها من شدة الألم وأصبح المكان يغلي كالمرجل وبلغت القلوب الحناجر من شدة الألم وسكب الدمع السخين ، مع دعوات صادقات من كل الأمهات بأن يفجع من قتل ودعكر كما فجعهن ،ودعوات أخري لا تسمعها ولكن يحسها كل من كان بالمكان ، لتنتهي رحلته بمقابر ناصر و في مدخل المقابر كان في قمة الفرح لأنه سوف يلتقي الأحبه من شهداء ثورة ديسمبر المجيدة حتما سيجدهم يستقبلونه بحفاوة وترحاب ولكن كيف يستقبلهم هل سيكون متوجساً وخائفاً لأنه يعلم أنهم سوف يسألونه عن حال الوطن وما حل به، عندها هل سيعجز عن الرد أم يخبرهم بالحقيقة؟ هل يخبرهم بأن المعاناة زادت أكثر من قبل؟ هل يخبرهم بأن لجنة فض الإعتصام ما زالت تمارس الكذب والخداع؟ هل يخبرهم أن حقهم لم يرجع بعد؟ هل يخبرهم أن أساليب التعذيب والترهيب ما زالت مستمرة، وأن اغتياله خير دليل على ذلك؟ هل يخبرهم أنه في ذكرى فض الاعتصام تم فض المواطنين بنفس الطريقة الأولى عن طريق الرصاص واستشهد أيضاً خيرة الشباب؟ هل يخبرهم أن الشق العسكري ما زال يمارس اسلوب البطش والتنكيل؟ هل يخبرهم أن الشق المدني ضيعف وهذيل للغاية وأنه لم يُقدِر كمية التضحيات ودماء الشهداء؟ هل يخبرهم بحادثة اغتياله وكيف تم تعذيبه حتى الموت؟ هل يخبرهم أن حقهم ودمائهم الغالية لم تعود بعد وأن المجرم ما زال حراً طليقاً؟
حتما سيخبرهم وسيخبر الله بكل شي؟؟

تعليقات
Loading...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد