بيرا كورا يكتب: الشعر و العالم

118

“ما العالم سوى إمكانات لا نهائية من الحرية، الحرية عين الإنسان، بها يرى جميع إمكاناته”.
“لا إمكان للعالم خارج الإنسان، وإمكان الإنسان في العالم، إمكانٌ فحسب”.
في البدء، كان العالم كبيراً، ساحراً، وخلاباً، ولأنه كان كبيراً؛ كان مجهولاً، لكنه كان جميلاً، لأنه، أيضاً، كان يتيح حرية أكبر، وهكذا، بكل بساطة، كان الإنسان الأول – المقيم في العالم الكبير – إنساناً كبيراً، إنساناً بحق، لأنه تمتع بأكبر قدر ممكن من الحرية، لأنه كان متطابقاً مع الحرية، مندغماً فيها. وفي المحصلة، كان قابضاً على إنسانيته، مالكاً لها.
في ذلك البدء، لم تكن الحرية مفهوماً، إنما عيشاً. ولم يكن ساكن العالم الكبير حيّاً؛ إنما كان حراً فحسب. إلى هذا الحدّ كانت الحرية بدهية، وإلى هذا الحد كانت خطيرة، لأنها كانت قدر الإنسان.
إن إنساناً بهذه الكيفية، لا بد، مفتوحٌ على العالم، منفتحٌ على إمكانات لا نهائية، بما فيها إمكان تقويض العالم، أي تقويض الحرية، وهو تقويض الإنسان نفسه. وإذن، نهاية التاريخ.
ولسبب ما، كان الإنسان – ولا يزال – مولعاً بالتقويض، أكثر مما هو مولع بأي إمكانٍ آخر، حتى أنه، في أحايين كثيرة، كان (قوس قابين) من تصفير إمكاناته. وليس واضحاً أنه انزاح قليلاً عن هذا الإمكان. يمكننا أن نحدس بهذا، بعد إلقاء نظرة على المستقبل، لأن المستقبل مرآة الحرية، مرآة الإنسان، مرآة العالم، وهو، إذن، حديقة الإمكانات التي لم تُستنفد بعد. حينما يكون المستقبل مجهولاً، وضبابياً. حينما لا يمكن التنبؤ به، وحينما – رغم كل ذلك – يسير الإنسان، بل يجب أن يسير بحسب نيتشه. هنا يكون الإنسان بخير، والعالم لا يزال ساحراً، لأنّ الطريق الذي يسلُكُه إنسانُ المستقبل المجهول؛ طريقٌ مُرتجل أبداً. وهو، إذن، طريق غير مستقيم، متعرج باستمرار، مليء بالمفاجآت، وسُلوكه لا يُبرره ما ينتهي إليه. ولكن، لأنه اختيارٌ حر، لذا فهو طريقٌ لا يُخطى عليه خطوتين. وهكذا، لا يكون المستقبل ما هو قادم، ولا يكون وجهة. إنما هو ما يلازم السائر، ما يكون معه، وهو أيضاً مغزى المسير. ويكون مغزاه – المستقبل – هو الإنسان. وعندما يكون المستقبل واضحاً، ويكون طريقه مستقيماً، تكون القيامة قد دنت، لأنّ الوضوح واليقين من علامات الساعة.
حينما اختار الإنسان أن يُضيِّق العالم؛ والعالم هنا، بمعناه الأنطولوجي، العالم الذي بحسب هولدرلين، يجب أن يُسكن بطريقة شِعرية. ما يعني: معانقته. أن نجعل العالم مرايانا ونصير مراياه، أن نكون مركوزين هناك، أن نختبر العالم بوصفه شجرة، ونحن بوصفنا ثماره، وفي دخيلتنا نحمل بذرته، ما يعني، إذن، أن نفتح صدورنا على عصافير المجهول. أقول حينما اختار الإنسان أن يُضيّق العالم، أن يَجعَل العَالم قريةً صغيرة، لَم يَنزَع السّحر فحسب عنِ العالم، بل إنه ضحّى بالشِّعر أيضاً، ومعه فقد عمقه الأنطولوجي. هذا الثمن الباهظ، كان من أجل مستقبلٍ بحجم قبضة اليد فحسب.
ماذا جنينا إذن؟ الإقامة على الحواف؟ هو السقوط إذن، وهو، لم يبدأ، إلا عندما بدل ديكارت مركزية الإنسان الأنطولوجية بمركزية معرفية، ولم يعد العالم هو تلك الشجرة التي نحن ثمارها، ولم نعد نحمل بذور العالم. هكذا انفصلنا، ولم نعد نختبره، بل لم نعد نعرفه، لم نعد نُعايشه ونعيش فيه، إنما صرنا نراقبه، ولكي نراقبه؛ كان يتوجبُ علينا أن نُضَيِّقه، أي أن نقلل مجال حركتنا، ومجال حريتنا، وأن نُصغِّر المرآة، هو في النهاية، أن نُصَغِّر الإنسان

تعليقات
Loading...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد