محمد جلال هاشم يكتب: عبدالله علي إبراهيم والعربوفونية

733

جوبا – 21 ديسمبر 2020م
أستاذي عبدالله علي إبراهيم أكاديمي ضليع، لكنه، بكل أسف، وقف في موقفه إزاء دعوى العربوفونية Arabophone موقف الإديولوق ideologue. وهو موقف يلتبس فيه كلما تعلق الأمر بهوية السودان، أعربية هي أم أفريقية. هنا نجده يسخر قدراته الأكاديمية من باب سعة الحيلة، لا سعة المنطق أو حُجيّة الحقيقة.
في مقال رشيق له (بعنوان “اغتيال العباس في معامل مملكة جلالة الملكة الزابيث: هل نحن عرب أم عربوفون”؟ على صفحته بالفيسبوك في يوم 13 نوفمبر 2020م)، كعادته فيما تقطعت فيه أعناقُ إبلِنا لنبلغَ شأوه، فما بلغنا شيئا يُعتدُّ به، تعرض لدعوى “العربوفونية” Arabophone كهوية آفروعمومية Pan African، مناقشا لحُجّيّتها عبر إحالتها لي ولأخي وزميل الدراسة الباقر العفيف.
أولا، لم أسمع بالعربوفونية عند الباقر الذي آب إلى الهوية النوبية الأفريقية واعتصم بها عن أصالة وبجسارة.
ثانيا، لم يتمكن أستاذي عبد الله علي إبراهيم في مقاله من دحض العربوفونية، بل ثبّتها عليّ وعلى نفسه. لكنه أثار حولها غبارا كثيفا يطعن في في قوة شكيمتي الفكرية بخصوص المصطلح نفسه. لكنه لم يقدّم أي دليل على ذلك. فأنا لم أقل أبدا إن دعوى العربوفونية تنفي أن في السودان عربا، ذلك طالما استشعر من السودانيين أنهم عرب. كما استند فهمي أصلا على حقيقة أن العربية قد أصبحت بمثابة اللغة الأم الأولى لغالبية السودانيين. ولكن، لا عبدالله علي إبراهيم ولا غيره يستطيع أن يقسر الهوية العروبية على من لم يعد يستشعرها في وعيه المباشر، ذلك طالما كان اختيار النفس لما تهوى هو أحد أقوى أسس الهوية. بمعنى آخر، في حراك الهوية السودانية المترجرجة الآن، يحق لمن كان يستشعر العروبةَ كهوية له بالأمس أن يتغيّر إحساسُه بهويته ليشرع في استشعار هويته الأفريقية العربوفونية. وعليه، فلنقل إن هناك تيارين للهوية السودانية: الأول هو الهوية الأفريقية البحتة التي تنحسر مساحاتُها الديموقرافية كل يوم بشكل مضطرد عبر الاستعراب. ثم هناك الهوية العربية القائمة على تمددها الديموقرافي الناجم عن انحسار الهوية الأفريقية. أين موقع العربوفونية هنا؟ إنها ليس فقط تحافظ على كبر مساحة الهوية الأفريقية للسودان، بل تكرّس من أفريقية من حالات الاستعراب بوصفهم أفارقة سودا لكنهم عربوفونيين. هذا بالطبع دون أن تنفي أن في السودان عربا، أو تنفي أن هناك من ينظرون إلى أنفسهم على أنهم أفارقة ولو جللتهم أفريقيا بسوادها من رؤوسهم إلى أخمُص أقدامهم ووسمتهم بميسمها الأسود الجميل ولو كرهوا ذلك. وهذا ليس نفيا لحقوقهم في التهوّي بالعروبة، ولكنه أدخل في باب ديناميكا الهوية المترجرجة التي تصطخبُ أمواجُها بين ساحلين وتضطربُ.
فما الذي يخشاه أستاذنا وصديقنا صاحب اليراع الأرشق عبدالله علي إبراهيم؟ إنه ببساطة يخشى من انعكاس الآية! إنه يخشى من انحسار المساحة الديموقرافية لقطاعات المُتَهَوِّين بالهُويّة العربية في مقابل اتساع واندياح دائرة المُتَهَوُِين بالهُويّة الأفريقية دون أن نطعن حقيقة استعرابهم في هذه الهُويـة الأفريقية السوداء. هذا ما يخشاه عبدالله علي إبراهيم، أولا لأنه لا يملك أي دفوعات علمية أو منطقية أو إنسانية ضد هذا الاتجاه، ذلك بوصفه أحد قلة علمائنا الأفاضل الذين كتبوا أن الهوية هي صنعة لما تهوى النفس وتختاره. ثانيا، لأن دعوى العربوفونية سوف تكسر السياجات الإثنية التي اعتمد عليها عبدالله علي إبراهيم نفسه (مثل سياج الإثنية “العبّاسية” إلخ)، مُسبغا عليها مسوح العروبة المستحقة متى ما شعروا بذلك. وهو ما أقررناه بدورنا، لكنا لم نأيس من استعدادهم النفسي الداخلي للأوبة إلى رحاب الهوية الأفريقية السوداء واستعادتها، ذلك في خضم أمواج الهوية السودانية المترجرجة، كما أشرنا أعلاه. هذا هو ما يخشاه عبدالله علي إبراهيم! وهو إذ لا يملك دفعا لهذا، ينحو لاستنفار كل حيله الأكاديمية، فإذا بها تخذله بأُخْرةٍ، فلا يملك عندها غير أن يُثيرَ غبار الكلام حول دعوى العربوفونية. ولكنه حتى في هذا يتنازع حول نفْسِه ونَفَسِه. عبدالله الأكاديمي الضليع لا تقبل له حصافتُه وحشمتُه الأكاديمية ما يقوم به عبدالله الإديولوق. ولهذا، في خاتمة مرافعته، نجده يسبغ على نفسه بركة العربوفونية بمثلما يسبغها علينا نحن الذين رفعنا رايات المصطلح وبنينا صرحه كهوية آفروعموميةas a Pan African identity لنا ولجميع السودانيين بمختلف تضاعيف ألوانهم السوداء، أللهم إلا من قلة قليلة، بجانب من أراد أن يقضي العمر وهو يسري في مشروع الأمة العربية الخاسر.
ثانيا، أثار أستاذُنا وصديقنا بروفيسور عبدالله علي إبراهيم غبارا كثيفا حول ما قام به صديقنا الباقر العفيف عندما لجأ إلى علم الجينوم لإثبات عدم عروبته. من هذا الغبار الحديث عما فعله باقرُنا من باب خلع الهوية، وهو براءٌ من ذلك. فباقرُنا كان قد اكتشف هويته السودانية الأفريقية قبل ما يقرب من ربع قرن من تاريخ لجوئه لعلم الجينوم. إذن، فهو لم يكن أصلا يحتاج لخلع نفسه عن هوية لم يعد يستشعرُها. إذن، فما مغزى استعانته بعلم الجينوم؟ هنا يكمن خوف أستاذنا وشيخنا بروف. عبدالله علي إبراهيم! فالباقر، بوصفه يجمع الهوية الجعلية بالرباطابية عبر والديه، جوبه بحملة من دخل بيت أهليه ووُصف فيها بالابن الضال prodigal son. وقد احتمل باقرُنا ذلك بكل سماحة وتأدب، بما أثِرَه من تربية والديه، محتملا الأذى وهو هادئ الطبع، بما أثِرَه من سلوك أستاذه الذي لم يعتلِ منصةَ الإعدام رابط الجأش فحسب، بل ابتسم في وجه جلاّديه حتى ارتعدت فرائصُهم. فلنعد إلى السؤال: لماذا فعل باقرُنا ما فعل عندما لجأ إلى علم الجينوم مما مسّ وتر استشعار الخوف عند عبدالله علي إبراهيم؟ لقد فعل ذلك ببساطة لكسر حاجز السياجات الإثنية التي تحمي دعوى العروبة في السودان. وهذا هو مغزى إشارات عبدالله علي إبراهيم إلى “الجعليين” وكذلك إلى “الرباطاب” ؛ وما الإشارة إلى الملكة إليزابيث وبلاطها إلا من قبيل غبار الكلام، أحد الحيل التي استعان بها أستاذُنا وحبرُ فصول دراستنا، عبدالله علي إبراهيم، وكذلك محاولته الاتكاء على محمد عبد الحي، بجانب حيل أخرى.
MJH
جوبا – جنوب السودان
21 ديسمبر 2020م

تعليقات
Loading...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد