ثوري أكثر من الثورة.. لماذا يحرق الثوار رايات الشيوعي ؟

582

قراءة : الفلاسفة نيوز
من بين معظم التسجيلات المصورة التي وثقت حراك التاسع عشر من ديسمبر ، يبقي التسجيل التي يظهر ثوار غاضبون يشعلون النار فى رايات الحزب الشيوعي ، ذات اللونين الأبيض والأحمر ، يبقي عصيا علي الفهم . فعلي الرغم من أن أحتمالية انحراف المواكب عن المسار المرسوم لها ، كان متوقعاً حتي وسط منظمي الحراك، الا انه لم يدر بخلد أحد من المتابعين بأن يصل الأمر للدرجة التي يلجأ فيها الثوار الي إشعال النار فى رايات حزب كان من أول الداعمين لمواكب التاسع عشر من ديسمبر. إذا كيف يمكن تفسير ذلك ، ولما يلجأ الثوار الي التعبير عن غضبهم بإحراق رايات حزب ظل طوال تاريخه يناضل ضد الأنظمة الديكتاتورية ؟.
أولاً : الموقف من السلام
حين توصلت الحكومة السودانية وحركات الكفاح المسلح الي اتفاق يقضي بإيقاف سنوات من الاقتتال ، ويمنح ولو القليل من الأمل لضحايا النزاعات ، أعلن الحزب الشيوعي ، الذي كان يتصدي حتي ذلك الوقت لقضايا الهامش ، أعلن رفضه للاتفاق ، وصار طوال الفترة الماضية يجاهر بآرائه الناقدة حول قادة المقاومة ، مكرسا في ذات الوقت جهوده في تشكيل رأي عام سالب حول الاتفاق .
في وقت لاحق ، وامعانا في عكس صورة سيئة عن الإتفاق ، تبني الحزب تظاهرات تدعو الي ايقاف شرعنة إتفاقية السلام التي قال إنها تكرس للمحاصصات الإثنية والجهوية.
كان بإمكان اللجنة المركزية للحزب في ذلك الوقت أن تكرس مساعيها في تقديم نقد بناءاً وموضوعي للاتفاق ، ولكنها بخلاف ذلك استنفدت جل طاقاتها في العمل علي عرقلة السلام ، بتقديم مواقفها السياسية علي الأخلاقية ، دون مراعاة مشاعر ضحايا النزاعات ، أو الثمار التي بإمكانهم أن يجنوها من عملية السلام .
وادي ذلك بطبيعة الحال الي خلق حالة من السخط وسط الكثير من ثوار الهامش حيال الحزب ، الذي صار بنظرهم “عدوا” استراتيجيا ، مثله مثل كل القوي السياسية التي تستميت في الدفاع عن الوضعية المختلة التي ورثت من الاستعمار .
ثانياً: ثوري أكثر من الثورة
بعد عام ونيف من توقيع اتفاق “كورنثيا” الذي أوقف اسابيع من التصعيد بين قوي إعلان الحرية والتغيير ، واللجنة الأمنية لحكومة البشير ، وبعد أسابيع من الانسحاب من حكومة الثورة ، تحول الحزب الشيوعي من مدافع عن الحكومة الي خصماً لها .ولم يعد ذلك الحزب الذي انطبع في مخيلة الجماهير ، محبا وداعما للحرية والعدالة .وانما علي العكس من ذلك ،صار ثوريا أكثر من الثورة نفسها . وفي الفترة التي تلت الانسحاب، فشل الحزب في تحديد أولوياته وخصومه . وشرع في تصويب أسلحته صوب كل القوي السياسية ، وبدأ في تخوينها والمزايدة علي نضالاتها ، مفتعلا صراعات عبثية ضد الكل دون التمييز بين عدو وحليف .
وعلي منصات التواصل الاجتماعي اندفع عضويته في نشر غسيل خصوم الحزب واغتيالهم معنويا ، حتي أن الكثير قد فسر مواقف الحزب آنذاك بأنها محاولة للتمهيد لانقلاب قادم بتشويه قيم النظام المدني ، ووصم القوي السياسية بالعمالة والارتزاق لصالح الدول الأجنبية .
حالة النقاء الثوري التي تلبست قيادات الحزب ، خلقت فجوة هائلة بين الحزب من جهة ، والقوي السياسية الأخري من جهة أخرى . لينفض بذلك حلفائه عنه ويسقط في نظر الكثير من السودانيين الذين صاروا ينظرون اليه بعين الريبة بعد أن كانوا ينظرون إليه بالتقدير والإعجاب .
ثالثاً : الافتقار للانضباط التنظيمي
تميز الحزب الشيوعي عن سائر القوي السياسية الأخري بعدم قدرته علي ضبط عضويته وقياداته . ففي العام الماضي ، اتهم صالح محمود ، العضو باللجنة المركزية للحزب بإطلاق عبارات عنصرية ضد بعض المجموعات الإثنية وبالتحديد “الزغاوة” .بعدها بقليل ، وصفت د/ آمال فقيري ، وهي أيضاً قيادية بارزة في الحزب ، مغني الراب السوداني ، الذي ينحدر من دارفور ، وصفته بالقرد .
بينما اتهمت الصحفية والقيادية بمبادرة “لا لقهر النساء” أمل هباني ، اتهمت القيادي بالحزب كمال كرار بالتحرش بها . وحين طلبت محاسبته ، لم تجد أية استجابة من اللجنة المركزية للحزب ، الأمر الذي دعاها الي تصعيد قضيتها ، وكشف المتحرش للرأي العام .
وسواء أن تعلق الأمر بعدم رغبة الحزب في ضبط عضويته ام لا ، الا أن التصريحات الرعناء التي تصدر من بعض قياداته قد أعطت مفعولها بشكل عكسي للغاية وغيرت من وجهة نظر الكثيرين حوله .
رابعاً : أما كل السلطة أو التصعيد
تقوم فلسفة الحزب علي النظر للسلطة بأنها مجرد كيكة أو غنيمة ، وبالتالي أما أن يستأثر بالقدر الأكبر منها ويترك لمنافسيه الفتات أو أن يالب الجماهير ضدها .
وعند نجاح الثورة ، فشل الحزب في إخفاء اطماعه السلطوية . فلو أن حزب الأمة كان قد طالب بنسبته من السلطة بشجاعة منقطعة النظير دون أن يلجأ إلي الاختباء ، محددا إياها بنسبة معينة ، فإن الحزب لا يزال يخفي اطماعه السلطوية خلف ستار الدفاع عن قضايا الجماهير واستعادة الثورة .
حالياً ، يسيطر الحزب بشكل كامل علي تجمع المهنيين ، وبعض من الأجسام ومنظمات المجتمع المدني ، والأهم من ذلك ، يمتلك نفوذاً واسعا وسط لجان المقاومة ، ولكن ، حين فشل في السيطرة على حكومة الثورة ، أعلن انسحابه منها ، وصار يالب عضويته ضدها ، وضد حتي شركائها في حركات الكفاح المسلح .
خامساً : عنصرية مستبطنة
في كتابه الذي وثق فيه كواليس المفاوضات بين المجلس العسكري وقوي إعلان الحرية والتغيير ، نقل الوسيط الافريقي محمد ولد لباد حوار هام دار بين القيادي بالحزب الشيوعي ، صديق يوسف ، وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو .
في ذلك الحوار سعي الأول بكل قوة الي تحيد دقلو علي اساس عنصري بحت ، حين طلب منه الدفاع “عنهم” من هجمات الحركات المسلحة بحكم أن حميدتي أقرب ثقافياً للمركز من الهامش ، ولأنه ينحدر من نفس العرق الذي ينحدر منه صديق يوسف ولا يلتقي مع الحركات المسلحة الي في الانتماء الجهوي .
كان يوسف يقصد أن علي حميدتي ان يدافع عن أبناء عمومته وليس أبناء منطقته في حال أن نشبت حرب بالخرطوم ، وبناءا علي ذلك سيكافا بأن يرقي قائداً للجيش .
هذا الحوار الذي أورده ولد لباد في كتابه ، أثار ضجة هائلة ، وكشف لشعوب الهامش حجم العنصرية التي يكنها لهم الحزب .

ما العمل؟
كل هذه الأسباب ، ربما تفسر لما يلجأ الثوار الي إحراق رايات الحزب الشيوعي ، حتي دون احترام سجله النضالي . وفي حال استمر الحزب علي خطه الراهن ، ربما سيفقد كثير من جماهيره وأصدقائه وبالتحديد في مناطق الهامش . ولكن ما العمل ؟.
يحتاج الحزب في حقيقة الأمر الي القيام بمراجعات جذرية في مسالة التحالفات وقبول الآخر السياسي أو الثقافي ، والتخلي عن سياسة التخوين والمزايدة حتي لا يتحول الى مجرد حزب كرتوني تقتصر مهمته علي افتعال الصراعات العبثية فقط .

الثوار أمام القصر الرئاسي
تعليقات
Loading...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد