الاتجار بمعاناة الناس: الحجز والاستغلال والإساءة في ليبيا

460

الخرطوم ـ وكالات

في نهاية عام 2017، انتشرت حول العالم صور مفزعة لمهاجرين يباعون في ليبيا كما لو أنهم مجرد سلع. وقد أثار هذا موجة غضب عالمية ودفع الكثير من القادة في أوروبا وإفريقيا وليبيا للتعهد باتخاذ إجراءات لحماية اللاجئين والمهاجرين من التعرض للإساءة والظروف المهينة.

إلا أنه وبعد مرور عامين على تلك الحادثة لم يتغير شيء فعلياً. وقد شهدت فرق أطباء بلا حدود من خلال عملها في مساعدة المهاجرين واللاجئين في ليبيا منذ عام 2017 على الوضع البائس لآلاف الناس الذين يعانون الأمرَّين في مراكز الاحتجاز أو يُتركون ليتدبروا أمورهم بأنفسهم خارجها، في قبضة دورة لا تنتهي من العنف.

على طول الطرق التي تربط بين المدن الليبية، ينتظر الكثير من اللاجئين كل يوم لفرصة الحصول على عمل ولو لبضع ساعات. ويأمل هؤلاء ’العمال المياومون‘ أن يراهم أحد ما بحاجة إلى عامل ليستأجره. والعملية بسيطة: تتوقف السيارات على جانب الطريق لتستأجر العمالة.

مهاجرون آخرون يعملون بشكل منتظم لرب العمل ذاته وأحياناً يعيشون في مكان العمل. قد لا يضمنون الحصول على أجر أو راتب، كما أن الرواتب تتفاوت بشكل كبير تبعاً للوضع؛ في مصراتة، قد يكسب المهاجرون حتى 2,000 دينار ليبي شهرياً. وهو مبلغ مايزال مغرياً للكثيرين إذا ما قارنوه بالإمكانات الاقتصادية في بلدانهم الأصلية.

وعلى مدى عقود، كانت ليبيا، البلد الغني بالنفط مقصداً للمهاجرين من جارتها النيجر وغيرها من دول إفريقيا جنوب الصحراءن بحثاً عن فرص للعمل في البناء والزراعة وقطاع الخدمات. وتقدر المنظمة الدولية للهجرة أن هنالك ما بين 700 ألف إلى مليون مهاجر في ليبيا.

منذ الانتفاضة الشعبية في عام 2011، وسقوط القذافي والحرب الأهلية التي اندلعت بعدها، أصبح وضع المهاجرين العاملين في ليبيا أكثر صعوبة، فالبلد يعاني من نزاع مسلح، حيث تتصارع حكومات وميليشيات متنافسة للسيطرة على البلد، في ظل انهيار للخدمات العامة. معظم المهاجرين لا يملكون أذون إقامة أو غيرها من المستندات الثبوتية، ما يضعهم عرضة لخطر الاعتقال والحجز التعسفي. وسواء كانوا يعتبرون ليبيا محطة في رحلتهم أو يعتبرونها وجهتهم النهائية، فجميعهم يصبحون أهدافاً على دروب الهجرة التي باتت أكثر خطورة وكلفة وتشظياً.

عندما كان العقيد القذافي في السلطة، كان الاتحاد الأوروبي وإيطاليا يعقدون صفقات مثيرة للجدل مع ليبيا، حيث يقدمون التمويل مقابل التعهد بإبقاء المهاجرين واللاجئين بعيداً عن أوروبا. وقد حذر الزعيم الليبي أثناء زيارة إلى إيطاليا في 2010 من أن أوروبا قد “تتحول إلى إفريقيا” ما لم يدفع الاتحاد الأوروبي لليبيا 5 مليارات يورو في العام لإغلاق ساحلها المتوسطي. 

وقد وفرت الفوضى التي حلت بعد أن بدأت الحرب الأهلية الليبية الثانية في 2014 أرضية خصبة لنمو اقتصاد أسود، قائم على نهب الموارد والأنشطة غير المشروعة كتهريب النفط والأسلحة والبشر. وتحولت ليبيا إلى بوابة رئيسية إلى أوروبا لأولئك الفارين من الاضطهاد والنزاع والفقر في المنطقة. 

ولإيقاف وصول أناس جدد، وضعت الدول الأوروبية سياسات احتواء وصد قاسية، حيث ألغوا عمليات البحث والإنقاذ في البحر، ومولوا خفر السواحل الليبي لاعتراض اللاجئين والمهاجرين في المياه الدولية وإعادتهم قسراً إلى ليبيا، منتهكين بذلك القانون الدولي، وعقدوا صفقات مع جهات عديدة ذات صلة بشبكات التهريب والإجرام. وبالنتيجة، استمر نمو وازدهار تهريب البشر وخطف واحتجاز وابتزاز المهاجرين واللاجئين في ليبيا، بينما ازدادت احتمالات موت الناس أثناء محاولتهم عبور ليبيا إلى أوروبا.

وقد وُثِّق هذا الوضع وأدين من قبل أطباء بلا حدود ومن قبل مراقبين كالأمم المتحدة ومنظمات أخرى.

تعليقات
Loading...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد