الروائي المغربي محمد بنمليود يكتب (ريال قديم)

852

استيقظ با حسون ولكز زوجته بمرفقه كالعادة لتستيقظ. لقد أيقظه أذان الفجر ككل صباح ونباح كلاب حارس عربات الخضار التي تنبح وتعوي في كورال منسجم ومتناغم جدا كلما رفع المؤذن الأعمى با رحو عقيرته بالأذان. لا يستيقظ با حسون في هذه الساعة ليصلي، فهو لا يصلي منذ أكثر من خمسين سنة مذ لدغته عقرب في باطن قدمه أثناء صلاة الظهر بينما كان جالسا بخشوع يتحي، كاد أن يموت لولا أن عمره كان أقوى من تركيز السم في قزّيبة العقرب. بل يستيقظ في هذه الساعة الباكرة ليرتدي جلبابه على مهل، ويلف على رأسه بكياسة شديدة عمامته الصفراء الباهتة، وينتعل بتركيز بَلغته التي عضتها الكلاب طيلة الليل، ويخرج دون إفطار مغلقا الباب القصديري بالقفل، قاصدا بوابة المسجد، نازلا الزقاق الترابي المحفر والمظلم، بحذر شديد، متفقدا بعكازته الأحجار الكبيرة والحفر والمطبات قبل وقوعه فيها، مستندا بيده على قصدير الأكواخ وعلى الأبواب ودرفات النوافذ، حاثا الخطو ما استطاع كي يدرك نهاية الصلاة وخروج المصلين. سيجدونه قاعدا كالعادة على عتبة المسجد مادا يده وصادحا بلازمته المعهودة: ع الله..ع الله.. ع الله..
لكز با حسون زوجته بمرفقه كالعادة، لتنهض وتهيئ الشاي وتمسح المائدة وتجلب البيض من تحت الدجاجة لقليه من أجل الإفطار. لكزها لكنها لم تنهض، لكزها من جديد بصرامة أوضح إذ عادة ما تتكاسل ممثلة أنها لم تشعر بمرفقه النحيف الحاد كالمِخيَط يخترق ضلوعها. لكن زايدة رغم ذلك لم تستيقظ، ولم تحرك ساكنا حتى. وكان با رحو قد أنهى أذانه أخيرا، والكلاب توقفت عن نباحها، وصمت الفجر قد استعاد عافيته، فلاحظ با حسون أن زايدة لا تتنفس، إذ لم يسمع صوت زفيرها وشهيقها الذي عادة ما يُسمع من بعيد. قرب أذنه من أنفها وأنصت ليتأكد. لم يسمع شيئا. مال برأسه ليضع أذنه على بطنها وصدرها كي يسمع نبضات قلبها كأنها غريق قذفه النهر، لم يسمع شيئا ولم يحس بأي حركة أو نفس أو خفقة قلب. أمسكها من ذراعها وسحبها بيأس وهو يصرخ: زايدة.. زايدة.. زايدة.. لكن زايدة لم تستجب. لم يعد بإمكانها الاستجابة أبدا حتى وإن لكزها بسفود محمى على النار. لقد استجابت أكثر من سبعين سنة دون تماطل، صيفا وشتاء، حرا وبردا، يسرا وعسرا، أعدت الفطور والغداء والعشاء، غسلت المواعين بماء مثلج في الشتاء وصبنت الثياب وكنست باحة الكوخ ونقت الزرع. إلا أنها تركت كل ذلك خلفها الآن. تركته إلى الأبد. لقد ماتت زايدة دون حتى أن تودع أحدا، دون حتى أن تودع با حسون نفسه، دون حتى أن تودع نفسها، دون حتى أن تكون مريضة أو أن ينتظر أحد موتها. بل لقد بدا دائما أنها لن تموت أبدا. عاشت نحيفة ومتعبة، لكن ساقيها الهزيلتين الشبيهتين بغصني شجرة ميتة أو بساقي نملة أعطيتا الانطباع دائما أنهما ستمشيان إلى الأبد دون كلل أو ملل بعد أن فقدتا شكلهما الآدمي العادي القابل للتوقف. لم تستيقظ زايدة أبدا. إنه الفجر. وبا حسون لم ينتظر شيئا غير مسل كهذا في هذه الساعة الباكرة. تأكد أنها ماتت حقا بعد أن مد يده إلى تحت الفراش، أخرج صندوق الوقيد وأشعل الشمعة التي إلى يمينه. ظل دقيقة كاملة يفكر والشمعة مشتعلة وهو مضطجع على ظهره وقربه زايدة جثة هامدة. لقد طبخت البارحة فقط مرقا بلحم الرأس، وعجنت الخبز بيديها، وهي من عَمّر الشاي، وتعشت حتى شبعت، وهي من أعاد الأواني إلى الكشّينة، وهي من غسلها، وغسلت البراد والكؤوس كعادتها من ماء الخابية وقلبتها فوق الصينية لتقطر، وهي نفسها من حدثته أنها ستذهب غدا إلى الجوطية لتبيع كتكوتين صارا ديكين تقريبا بعد شهر فقط، وتشتري بثمنهما صابونا بلديا وسمنا حارا وغرافا مزوقا بالقطران، وهي نفسها أيضا من قهقهت قبل أن تنام حين حدثها أن السكارى يحسنون إلى المتسول الفقير أكثر من المصلين. إذن كيف تكون قد ماتت وكيف تكون قد ماتت. شعر با حسون بحيرة شديدة وبعدم فهم لما يحدث وبعجز كامل عن الاستيعاب. وكانت قد مرت دقائق عن نهاية أذان با رحو، وإن لم يخرج للتسول فلن يدرك خروج المصلين من الجامع، وإن وصل بعد ذلك فلن يدرك ريالا واحدا. نهض وارتدى جلابته على عجل ولف عمامته الطويلة على رأسه كيفما اتفق وانتعل بلغته العتيقة وحمل عكازه وقصد الجامع مهرولا وهو يرتعش يكاد كل مرة يسقط بعد أن يتعثر.
لقد قرر أن يعتبرها ما زالت حية حتى ينهي دورة تسوله الصباحية ويجمع بعض الريالات، ومن ثمة يعود ويفاجئ نفسه بموتها كأنه يكتشفه حينها فقط فيصرخ في الجيران مولولا طالبا نجدتهم وعونهم وغوثهم أن زايدة قد ماتت. أراحته قليلا هذه الفكرة إذ شعر أنه يمنح نفسه مهلة لتصديق موتها، بل أكثر من ذلك خمن أنها ربما ما زالت حية وأنه حين سيعود إلى الكوخ سيجدها قد أعدت الشاي وقلت البيض وأفرغت الزيت في الصحن. ثم إن موتها في كل الأحوال لن يغيره ذهابه إلى التسول أوّلا من عدمه، كما أن عدم ذهابه إلى التسول لن يعيدها إلى الحياة إن كانت حقا قد ماتت. وصل أخيرا إلى بوابة المسجد. لم يخرج المصلون بعد. افترش كرتونة صغيرة وجلس يَنْهَج.
خرج المصلون بعد أن دعا الإمام وختم ورددوا خلفه آمين.. آمين.. بدا لهم با حسون جالسا كعادته متربعا مستندا على حائط الجامع الترابي مادا يده متخشبة أمامه. بالكاد ميزوه في عتمة الفجر. وضع بعضهم ريالات في يده. لم يضم عليها قبضته ولم يدخلها في جيب جلبابه العميق كالعادة. مروا سريعا، قاذفين بلغاتهم وأحذيتهم أرضا كي ينتعلوها. سيقصدون السوق، أو المرسى، أو محطة الكيران، أو مارشي كريو، أو مارشي سنطرال، أو أماكن أخرى يصعب تخمينها. ساعين خلف رزقهم ورزق عيالهم، متفرقين في الأرض، كنمل تاه عن غاره..
بينما ظلت يد با حسون ممدودة في الهواء، لا تتحرك، وعيناه مفتوحتان تحت قب جلبابه لا ترمشان، ولا شيء ينبض فيه أو يتحرك سوى كم جلبابه في نسمات الصباح العليلة المعتمة، وكان بالإمكان بقليل من الجهد عد ما جناه من غنيمة: ثلاثة وعشرون ريالا كاملة، إضافة إلى ريال قديم من زمن السيبة انتهت صلاحيته قبل سنوات طويلة، رسمت عليه نجمة خماسية كبيرة، لا يمكن عده.. لا يمكن أبدا عده..

تعليقات
Loading...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد